فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 222

فلما ذهب إلى منزله سأل زوجته عن الطعام لضيف رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) فقالت: ما عندي شئ إلاّ قوت صبياني ولعلهم قد أكلوا ولكن عادة الصبيان أن يأكلوا كلما رأوا طعاما وإلاّ فتجويعهم لا يبيحه الشرع، ولهذا لا يمكن لهم أن يتركوا الواجب ويلتزموا بالضيافة، ولأن الواجب مقدم عليها، ولهذا أثنى الله تعالى على لسان رسوله (- صلى الله عليه وسلم -) عليه وعلى إمرأته، فدل على أنهما لم يتركا واجبًا بل أحسنا وأجملا [1] ، ومن كرمهم وحسن ضيافتهم أنه أمر زوجته بأن تنوّم الصبيان إذا أرادوا العشاء وأن تطفيء السراج ليوهم الضيف أنهم يأكلون معه وهذا من باب الإيثار والمروءة للضيف ليأنس بهم ويشبع، فجاء رسول الله صباحا فأخبره (- صلى الله عليه وسلم -) بأن الله قد عجب من فعلهما الليلة وإيثار الضيف على أنفسهم وأطفالهم، والمراد بالعجب من الله تعالى (رضاه) وقيل تعظيمه لهذا الفعل [2] .

والتعجيب من الله تعالى: صفة تليق بذاته الشريفة وإلاّ فإنه تعالى عالم الغيب والشهادة وهو الذي يعلم السر وأخفى فعجبه سبحانه يختلف عن عجب المخلوقين، وهذا من أساليب التعجب السماعية.

وكقوله (- صلى الله عليه وسلم -) : (( فقلت يا رسول الله من أي شئ ضحكت؟ قال: إن ربك سبحانه يعجب من عبده، إذ قال إغفر لي ذنوبي يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيري ) ) [3] .

في هذا الحديث الشريف يوضّح لنا رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) سعة رحمة الله تعالى وواسع مغفرته لأن ضحك رسول الله يدل على سروره حينما يرضى رب العالمين عن عبده التائب إليه وطالب مغفرته بقوله: (إغفر لي ذنوبي) وهو يقرّ بالوحدانية لله تعالى وإنه يعلم أنه لا أحد يغفر ما أرتكبه من آثام وما اقترفت يداه من أوزار إلاّ الله سبحانه الغفور الكريم والرؤوف الرحيم، وهذا علي بن أبي طالب (- رضي الله عنه -) يسأل رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) عن ضحكه فيجيبه بأن الله (- عز وجل -) يعجب أي: يرضى لأن عجبه سبحانه لإستحالة قيام حقيقته به وهي استعظام الشئ مرادً منه غايته من الرضا، وهي مستلزمة للأجر والثواب، ولهذا الرضا المقتضي لفرح رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) بمزيد المنة ضحك رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) [4] ، وفيه حث على التوبة وقلع الذنوب وترك المهلكات والإقبال على بارئه بما يسعده وينجيه. استعمل رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) الفعل (يعجب) وهو مضارع يدل على الدوام والاستمرارية لمرضاته وفرحه سبحانه

(1) ينظر: م. ن 4/ 370.

(2) ينظر: دليل الفالحين 1/ 412.

(3) ر 974/ 322.

(4) ينظر: دليل الفالحين 6/ 147.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت