كانوا أحيائًا أم أمواتًا ومن حب الله ورسوله الالتزام بأحكام الله ورسوله وامتثال أمرهما واجتناب نهيهما والأقتداء برسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) ، قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ} [1] .
وقد فرح الصحابة بهذا الحديث اكثر من أي عمل صالح، ولهذا كان يقول أنس (- رضي الله عنه -) :"ما فرحنا بعد الإسلام فرحا أشدّ مما فرحنا بقول النبي محمد (- صلى الله عليه وسلم -) : المرء مع من أحب" [2] ، قال القرطبي: وإنما كان فرحهم بهذا القول منه (- صلى الله عليه وسلم -) أشد من فرحهم بسائر أعمال البر، لأنهم لم يسمعوا أن في أعمال البر ما يحصل به ذلك المعنى من القرب من النبي (- صلى الله عليه وسلم -) والكون معه إلاّ حبّ الله ورسوله فأعظم بأمر يلحق المقصر بالمشمّر والمتأخر بالمتقدم. ولما فهم أنس أن هذا اللفظ محمول على العموم علق به رجاءه وحقق فيه ظنّه، فقال: أنا أحب الله ورسوله (- صلى الله عليه وسلم -) وأبا بكر وعمر فأرجو أن أكون معهم وإن لم أعمل بعملهم" [3] ."
وفي الحديث أن الأعرابي أقسم بالله تعالى بأنه لا يخفض صوته، وحيث جاء بواو القسم والمقسم به هو (الله) تعالى، والمقسم عليه هو (لا أغضض) وهذا أسلوب من أساليب الإنشاء غير الطلبي، وكذلك استعمل صفوان بن عسال هذا الأسلوب بقوله: (ويحك) لأنها تفيد التعجب السماعي وهو من أساليب الإنشاء غير الطلبي.
ومثل هذا قوله (- صلى الله عليه وسلم -) : (( أن رجلًا ذكر عند النبي(- صلى الله عليه وسلم -) فأثنى عليه رجل خيرا، فقال النبي (- صلى الله عليه وسلم -) :"ويحك! قطعت عنق صاحبك يقوله مرارًا إن كان أحدكم مادحًا لا محالة، فليقل: أحسب كذا وكذا إن كان يرى كذلك وحسيبه الله، ولا يزكى على الله أحد )) [4] ."
أثني على رجل من أصحاب رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) أمامه بالخير، فقال له الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) (ويحك) : وهي كلمة تقال على سبيل الترحم والتوجع وتفيد التعجب، لأن الرجل بالغ في المدح به والثناء عليه إلى أن جعل رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) يتعجب من إطرائه له، ثم قال: (قطعت عنق صاحبك) وهي كناية عن الهلاك المعنوي، فكما أن قطع العنق يؤدي إلى قتل الإنسان فكذلك المبالغة في المدح تؤدي إلى الهلاك والشقاء. وقد ذكر رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) هذه الجملة للتوكيد والمبالغة في الزجر له ولغيره عن مدح من كان مثل الممدوح في الخوف عليه ومن نحو التعجب والكبرياء مما يؤدي إلى هلاكه في الدنيا والآخرة، وإن كان لابد من مدحه فليقل أظن أنه كذا وكذا، وهي كناية عن متعدد" [5] ، إذا كان يعتقد فيه هذه الخصال التي لا يعلم بواطن الأمور وحقيقة الشؤون إلاّ الله العالم بالسرائر، ولهذا نهانا رب العالمين من أن يزكي بعضنا بعضا بقوله تعالى: {فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ اتَّقَى} [6] ."
والمدح جائز في من لا يغتر بقول المادح ولا يحرفه عن حقيقة ما هو عليه ولا يصرفه عن أمور دينه ولا يثبط همته في عبادة ربه ولا يجره إلى الإهمال والكسل وما ورد من أحاديث في النهي عن المدح أمام الممدوحين من حثو التراب في وجوههم يتأول على أن لا يؤدي إلى العجب بالنفس وترك أحكام الله تعالى. وإلاّ فرسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) مدح في الشعر والخطب وأثنى هو على كثير من أصحابه أمامهم كقوله (- صلى الله عليه وسلم -) لعمر (- رضي الله عنه -) (( ما لقيك الشيطان سالكا فجًا إلاّ سلك فجًا غير فجّك ) ) [7] ، وغير ذلك من أحاديثه (- صلى الله عليه وسلم -) في مناقب الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.
وتعرب كلمة (ويحك) مفعول به أو أنها مفعول مطلق منصوب بفعل محذوف وجوبًا. (وحسيبه الله) وهي صيغة مبالغة بمعنى (محاسبه الله) أي فلا يكذب بالثناء عليه ورب العالمين هو الذي يتولى حسابه يوم الحساب، لآن الأشياء الظاهرة لا تجدي نفعا إلاّ إذا كانت النيات متجهة إلى الله تعالىٍ. كما قال رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) : (( إنّما الأعمال بالنيات ) ) [8] .
وكقول رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) : (( إذا وضعت الجنازة واحتملها الناس أو الرجال على أعناقهم فإن كانت صالحة قالت: قدموني قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها! أين تذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شئ إلاّ الإنسان ولو سمعه صعق ) ) [9] .
المراد بالجنازة: نفس الميت وبوضعه جعله في السرير [10] ، فإذا وضع جسد الميت على السرير وحمله الرجال على أكتافهم قالت روحه إن كانت الجنازة صالحة قدموني قدموني أي عجلّوا بي لما يرى من فضل الله ونعيمه في القبر مصداقًا لقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا
(1) سورة آل عمران، الآية: 31.
(2) دليل الفالحين 1/ 108.
(3) دليل الفالحين 1/ 108.
(4) ر 1789/ 521.
(5) دليل الفالحين 8/ 242.
(6) سورة النجم، الآية: 32.
(7) فتح الباري 10/ 399.
(8) ر 1/ 20.
(9) ر 444/ 179.
(10) فتح الباري 3/ 148.