رأى رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) خاتمًا من ذهب في يده فنزعه فطرحه ثم قال: (( يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده!؟ ) )أي: يقصد أحدكم إلى جمرة من نار. ومعلوم ان الخاتم لم يكن جمرة من نار وإنما شبّه رسول الله الخاتم من ذهب في اليد بجمرة من نار مما سيؤول إليه في الآخرة من عذاب بالنار فهو مجاز مرسل علاقته المسبّبية، لان الخاتم من ذهب سبب في جعل الجمرة في اليد وذكرت اليد وأريد بها الأصبع لأن الخاتم لا تكون في اليد وإنما في جزء منها، فهو مجاز مرسل علاقته الكلية والقرينة أن الخاتم يستحيل أن يكون في اليد وإنما في الأصبع وهي جزء منها.
(فنزعه الرسول(- صلى الله عليه وسلم -) فطرحه) فيه دلالة على إزالة المنكر بالقوة وان الرجل لم يأخذه بعدما طرحه الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) تورعًا والا فلبس الذهب حرام على الرجال دون النساء وكان بإستطاعته أن يأخذه وينتفع به في بيعه أو أن يهبه لأحد من النساء لأنه يعضده حديث آخر حيث قال (- صلى الله عليه وسلم -) لرجل طرح خاتمه: (( لم آمرك أن تطرحه إنما أمرتك أن تنتفع به ولا تطرحه ) ) [1] . ولان الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) قال: (( حُرّم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي وأُحل لإناثهم ) ) [2] استفهم الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) عن تعمد بعض أصحابه إلى أن يجعلوا جمرة من نار في أيديهم وحذفت أداة الأستفهام وقد خرجت إلى التعجب، لأن الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) لم يستفهم عن مجهول وقد علمهم قبل ذلك وإلاّ كيف يطرحه من دون علمهم بذلك ولهذا تعجب الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) من عدم تنفيذ أحكام الله من بعضهم. وهذا أسلوب من أساليب الإنشاء الطلبي لان الاستفهام من ضمن هذه الأساليب.
ومن التعجب بأسلوب الإنشاء الطلبي النداء والأمر. كقول أبي أمامة صاحب رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) لعمرو بن عبسة: (( يا عمر بن عبسة انظر ما تقول! في مقام واحد يعطى هذا الرجل؟ ) ) [3] .
تعجب أبو أمامة من عمرو بن عبسة عندما روى له حديث الوضوء الذي سمعه من رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) وما فيه من حسنات كثيرة، وسيئات وخطايا تسقط من كل عضو من أعضاء الوضوء حتى يرجع كيوم ولدته أمه ولذلك يأمره بأن ينظر إلى قوله وهذا الأمر لم يكن من أعلى إلى أدنى بل شخصين متساويين، ولذلك لم يرد منه المعنى الأصلي وإنما خرج إلى التعجب والدهشة من كثرة الثواب التي يكسبها وكثرة الخطايا التي تغفر له.
(1) دليل الفالحين 2/ 284.
(2) سنن النسائي 8/ 161.
(3) ر 438/ 177.