أحد فيكون أول من يدعى من بابها، وهكذا في الجهاد والصيام وكل عمل صالح إذا أتمه على أكمل وجه دُعي من بابه، ففي الصيام له باب يقال له الريان سمي به على جهة مقابلة العطشان لأن الصائم عانى من الصيام العطش فلا بد أن يجازى بالرّي الدائم في الجنة ولهذا سمي الباب به إشارة إلى أن هؤلاء الداخلين منه لا يعطشون أبدًا وإن كان جميع من في الجنة لا يضمأؤن، إلا أن هذا تكريم لهم وتعلية من شأنهم وتشجيع لنا بكثرة الصيام والتقيد بأركانه وسننه، وهناك باب الصدقة للحث عليها وتحضيض المؤمن على الإكثار منها ليدعى يوم القيامة من بابها، وهناك أبواب آخرى غير ما ذكر في الحديث منها: باب الحج، وباب الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، ومن الباب الأيمن وهو باب المتوكلين الذي يدخل منه من لا حساب عليه ولا عذاب، وأما الثالث فلعله باب الذكر. ويحتمل أن المراد بالأبواب التي يدعى منها أبواب من داخل أبواب الجنة الأصلية لأن الأعمال الصالحة أكثر عددًا من ثمانية أبواب [1] . وهذا أبو بكر (- رضي الله عنه -) يسمع الحديث من رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) فيقول: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، وهي جملة دعاء أي أفديهما على الرغم من أنهما عزيزان لديّ وكريمان عندي لكنّ عزّتهما ومحبّتهما لا تفوق محبتك، ولذلك يفديهما لرسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) . وقوله: (( ما على من دُعي من تلك الأبواب من ضرورة لأن الغاية هي الدخول إلى الجنة، ثم يستدرك ما قاله لأن الرسول(- صلى الله عليه وسلم -) لا يخبر بشيء عبثًا، وهذا يدل على قوة إيمانه وحدّة ذكائه، فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ فيه أشعار بقلّة من يدُعى من الأبواب كلّها، وهذا أبو بكر (- رضي الله عنه -) الذي أخبر عنه الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) بأنه أفضل الأمة بعد رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) وهو أول من يدخل الجنة من أمته وهو الذي يدعى من تلك الأبواب كلها، ولأن رجاء رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) أمر واقع حتمًا كما قال العلماء. وفيه الثناء على أبي بكر (- رضي الله عنه -) لأنه لم يخف عليه العجب واستعمل الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) الفعل المضارع أرجو الذي يدل على الأمل والرجاء وهذا من أساليب الإنشاء غير الطلبي.
ومثل ذلك قوله (- صلى الله عليه وسلم -) : (( أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ ) )قلنا: نعم، قال: (( أترضون أن تكونوا ثلث أهل لجنة؟ ) )قلنا: نعم، قال: (( والذي نفس محمد بيده إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، وذلك أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة وما أنتم في أهل الشرك إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر ) ) [2] .
(1) ينظر: دليل الفالحين 7/ 30.
(2) ر 431/ 174.