فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 222

كان رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) جالسًا مع أصحابه في قبة من الخيام وهو بيت صغير مستدير وهو من بيوت العرب نحوًا من أربعين، فقال لهم: أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة، قالوا له: نعم، ثم قال: أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة، قالوا: نعم، ثم أقسم رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) بقوله: (( والذي نفس محمد بيده إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة ) )أتى رسول الله بواو القسم. والاسم الموصول هو المقسم به ثم أضاف نفسه إلى الذي بيده وهو الله تعالى إشعارًا بعظمة الله تعالى وتواضعًا له حيث أن الأنفس جميعًا لا تكون إلاّ بيده تعالى وهذا القسم يفيد توكيدًا للأمر وتفحيمًا له، ورجاء رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) حق وواقع وهو كما أخبر به بصيغة الرجاء دون صيغة الجزم على عادة الملوك في وعد ما يقطعون بفعله يقولون: عسى أن تعطى ذلك وهم جازمون.

إن رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) أخبرهم أولًا أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة ولم يقل لهم أنكم ربعهم ومن ثم قال ثلثهم وإنما استدرج بهم ليكون أوقع في نفوسهم وأبلغ في إكرامهم كان إعطاء الإنسان مرة بعد مرة دليل على الاعتناء به ودوام ملاحظته وإن ذلك فيه تكرار البشارة مرة بعد أخرى وفي الحديث حملهم على تحديد شكره تعالى وحمده على كثرة نعمه وإن عليهم أن يحمدوه في كل نعمة، كيف لا وقد رجا لهم الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) بأن يكونوا نصف أهل الجنة وهذا لا يعارض حديثًا آخر لرسول (- صلى الله عليه وسلم -) في تبيان نسبة أمته في الجنة إلى الأمم الأخرى حيث قال: (( إن أهل الجنة مائة وعشرون صفًا هذه الأمة منها ثمانون صفًا ) ) [1] . فهذا دليل على أن المسلمين يكونون ثلثي أهل الجنة. حيث أخبر الرسول بالنصف أولًا ثم بالثلثين ثانيًا لنزداد فرحًا بأننا أكثر أهل الجنة فيها.

استعمل الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) الفعل المضارع في الرجاء وهو (أرجو) ليدل على مآل المسلمين في النهاية أنهم أكثر من غيرهم وهم في الجنة وهو يدل على الرجاء والأمل، ولكونه صادر من رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) فسيكون حتمًا كما أخبر به (- صلى الله عليه وسلم -) . وهذا أسلوب من أساليب الإنشاء غير الطلبي.

قوله (- صلى الله عليه وسلم -) : (( وذلك أن الجنة لا يدخلها إلاّ نفس مسلمة ) )، أي ذلك التبشير وهو أن نصف أهل الجنة هم من المسلمين وأن الجنة لا يدخلها كافر بالإسلام، وهذا نص صريح

(1) دليل الفالحين 4/ 69.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت