استعمل أبو هريرة لفظة (عسى) التي تفيد الرجاء والأمل في إيصاله شئ من هذا اللبن وهو أسلوب من أساليب الإنشاء غير الطلبي، فقوله: (( وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن ) ).
و (ما) حرف زائد للتوكيد و, عسى) فعل ماض جامد يفيد الرجاء و (أن) ناصبة مصدرية (يبلغ) فعل مضارع منصوب و (النون) نون الوقائية و (الياء) ضمير مبني في محل نصب مفعول به وفاعله ضمير مستتر تقديره (شئ) وجملة (أن يبلغني) في محل رفع فاعل للفعل (عسى) فهو فعل تام هنا، ويجوز إعراب آخر يكون له هو (عسى) فعل ماض ناقص (أن يبلغني) في محل نصب خبر (عسى) و (من) حرف جر زائد للتوكيد (هذا) اسم إشارة مبني في محل رفع اسم عسى و (اللبن) بدل مرفوع محلًا مجرور لفظًا.
ويجوز أن يكون (عسى) فعل ماض جامد ناقص واسمه ضمير مبني في محل رفع تقديره (هو) وجملة (أن يبلغني) في محل نصب خبر (عسى) .
حرى واخلولق:
وهما فعلان ماضيان جامدان يفيدان الرجاء كـ (عسى) ، وفي ذلك يقول ابن مالك [1] :
وكعسى حرى ولكن جعلا ... خبرها حتمًا بـ أن متصلًا
والزموا أخلولق (أن) مثل حرى ... وبعد أوشك انتفا (أن) نزرًا
يكون خبر (حرى واخلولق) فعلًا مضارعًا مسبوقًا بـ (أن) المصدرية وجوبًا.
وتستعمل حرى بلفظ المصدر وبلفظ الوصف، فإذا استعملت بلفظ المصدر لزمت الإفراد والتذكير [2] ، كقولك: زيد حرى أن يقوم والزيدون حرى أن يقوموا والهندات حرى أن يقمن. ومعناها جدير بذلك وخليق، وإذا استعملت بلفظ الوصف كانت بهذا المعنى أيضًا وصرّفت بالتثنية والجمع والتذكير والتأنيث ولها لفظان، حريّ كضنيّ و (حر) كعم تقول: زيد حريّ وحرّ أن يقوم والزيدون حريون وحرون أن يقوموا والهندات حرّيات وحريات أن يقمن [3] .
ومن ذلك قول ابن عمر (- رضي الله عنه -) في حديث يرويه عن رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) : (( قال: مررت على رسول الله(- صلى الله عليه وسلم -) وفي إزاري استرخاء، فقال: يا عبدالله، إرفع إزارك، فرفعته ثم قال: (زد) ، فزدت فما زلت أتحرّاها بعد، فقال بعض القوم إلى أين؟ فقال: (( إلى أنصاف الساقين ) ) [4] ، في هذا الحديث يوضح لنا رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) أدب اللباس في الإسلام بحيث يكون الثوب فوق الكعبين، وهذا ما نراه ينهى عبد الله بن عمر من أن يسترخي إزاره، فما زال ابن عمر يرفعه وهو يقول: زد، أي في رفع الثوب إلى أن وصل به إلى أنصاف ساقيه، ثم قال ابن عمر: فما زلت أتحراها، أي أقصدها بأن لا تكون تحت الكعبين، وفي هذه اللفظة (أتحراها) تفيد معنى الرجاء والأمل، أي أنه طلب ما هو أحرى بالاستعمال في غالب الظن ليكون قريبًا من سنة رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) في ملبسه، وإرخاء الأزار منهي عنه، لأن ذلك أطهر وأطيب، ولا سيّما إذا كان للخيلاء والتكبر، وأما إذا كان لغير الشهرة فليس في الحديث نهي تحريم كما قال (- صلى الله عليه وسلم -) لأبي بكر (- رضي الله عنه -) .
ومثل ذلك قوله (- صلى الله عليه وسلم -) : (( تحرّوا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان ) ) [5] .
يأمرنا رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) بأن نلتمس ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان وفي أوتارها. إن ليلة القدر ليلة عظيمة عند الله تعالى، وذلك لنزول القرآن الكريم جملة في هذه الليلة، وقد ثبت نزوله في شهر رمضان لقوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [6] ، وثبت أن هذا النزول كان في ليلة القدر: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [7] ، وعلمنا بعد ذلك أن هذه الليلة في شهر رمضان، وهذا هو النزول الثاني من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا [8] .
استعمل الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) كلمة تحرّوا: فهي فعل أمر و (واو) الجماعة ضمير في محل رفع فاعل، أي توخوها واقصدوها وأرجو إحياءها في ليلة القدر، وهذه اللفظة تفيد
(1) شرح ابن عقيل 1/ 321.
(2) الأساليب الإنشائية /47؛ وينظر: النحو الوافي 1/ 629.
(3) الأساليب الإنشائية / 47.
(4) ر 800/ 279.
(5) ر 1192/ 368.
(6) سورة البقرة، الآية: 185.
(7) سورة القدر، الآية: 1.
(8) مناهل العرفان في علوم القرآن، للزرقاني / 35؛ وينظر: المنتخب من تفسير القرآن الكريم،
للشعراوي 1/ 63.