الإنسان ضر عليه أن يعبد الله ليثقل ميزانه وليحصل على ثواب كثير وأجر كبير، قال تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [1] .
والمؤمن يعلم أن الحياة مزرعة الآخرة، ولهذا لا يتمنى الموت حتى يزرع كثيرًا، ولو في آخر لحظة من الحياة، قال (- صلى الله عليه وسلم -) : (( إن قامت القيامة وبيد أحدكم فسيلة فليغرسها قبل أن تقوم ) ) [2] .
والمؤمن بين حالتين إما أن يكون محسنًا فيزداد في الآخرة ثوابه ويحسن أمام ربه جوابه، ولأن الإنسان (( إذا مات إنقطع عنه عمله إلاّ من ثلاث: صدقة جارية وولد صالح يدعو له وعلم ينتفع به ) ) [3] ، ومع هذا فلا يقارن بحياته. ولذا نجد الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) يرجو للمؤمن المحسن زيادة أجره وتكثير ثوابه بالعمل الذي يرضي ربه، فاستعمل لفظة (لعل) التي هي حرف مشبه بالفعل ينصب الأسم ويرفع الخبر ويفيد الرجاء، فهو على أمل واسع في زيادة إحسانه والفوز بجنانه.
وكلمة (محسنًا) منصوب لأنها خبر يكون المحذوف دلّ عليه سياق الحديث، (وإما أن يكون مسيئا) أي: أن المؤمن إن لم يكن محسنًا فسيكون مسيئًا، وإذا كان كذلك وطال عمره وقصر حينًا فيستدرك حينًا آخر حتى ولو آخر لحظة من عمره، ولذلك استعمل الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) (لعل) الذي يفيد الترجي، وهو مشعر بالوقوع غالبًا لا جزمًا فخرج الخبر مخرج تحسين الظن بالله، والمحسن يرجو من الله الزيادة بأن يوفقه للزيادة من عمله الصالح وإن المسئ لا ينبغي له القنوط من رحمة الله، ولا أن يقطع رجاءه بالله تعالى [4] : {قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ - وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} [5] .
ونرى النبي (- صلى الله عليه وسلم -) مرة أخرى يستعمل لفظة (لعل) التي تفيد الترجي والأمل، فالمسئ غالبًا ما يتوب من ذنبه ويرجع إلى ربه، وبذلك يستعتب، أي يطلب الرضا من الله تعالى، فهو مأخوذ من العتبى تقول: (استعتبه فاعتبني) أي: استرضيته فأرضاني [6] .
(1) سورة الزمر، الآية: 10.
(2) مسند أحمد بن حنبل 3/ 184.
(3) ر 949/ 314.
(4) فتح الباري 10/ 111.
(5) سورة الزمر، الآية: 53، 54.
(6) عمدة القاري 21/ 227.