فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ونصب (مسيئًا) لأنه خبر (يكون المحذوف) والذي دلّ عليه المعنى وسياق الجملة. فإذا ما تاب من ذنبه وأناب إلى ربه حصل له الثواب وعفي من العقاب.
وكقوله (- صلى الله عليه وسلم -) : (( كان رجل يداين الناس وكان يقول لفتاه: إذا أتيت معسرًا فتجاوز عنه، لعل الله أن يتجاوز عنّا فلقي الله فتجاوز عنه ) ) [1] .
يضرب لنا رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) مثلًا في التساهل مع المدين والتيسير على من تعسرت أموره وانكدرت شؤونه في رجل من الأمم السابقة كان يداين الآخرين، وقد استعمل الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) صيغة المبالغة لتدل على أنه كان يقرض كثيرًا للناس في تعامله معهم وكان سهلًا سمحًا مع من يقرض ويتجاوز عن المعسر سواءًا كان في حسن المطالبة أو الحط من الدين أو إنظاره إلى أجل آخر وكان يوصي فتاه إذا (أتيت معسرًا فتجاوز عنه) يأمل من ذلك أن يعفو الله عنه ويغفر له ذنوبه، ولذلك استعمل لفظة (لعل) التي تفيد الرجاء في عفو الله له وصفحه، لأن الجزاء من جنس العمل (فلقي الله) تعالى كناية عن الموت، أي بعد موته فتجاوز الله عنه وغفر له ما فرطت يداه. وقد وردت أحاديث كثيرة في فضل إنظار المعسر، ومن ذلك قوله (- صلى الله عليه وسلم -) : (( من سرّه أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه ) ) [2] ، ومن أنظر معسرًا سيكون يوم القيامة تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلاّ ظلّه. كل ذلك ليكون المسلم متسامحا مع المدين بتأخير أجل الوفاء أو بإبرائه من الدين إن كان ميسورًا، لأن الدائن المتسامح ينال من الأجر العظيم وهو بتجاوزه عن المدين يكون قد سلك طريق تجاوز الله تعالى عن ذنوبه ودخوله الجنة.
وكقوله (- صلى الله عليه وسلم -) : (( لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب يقتتل عليه، فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون فيقول كل رجل منهم لعلي أن أكون أنا أنجو ) )وفي رواية: (( يوشك أن يحسر الفرات عن كنز من ذهب، فمن حضره فلا يأخذ منه شيئًا ) ) [3] .
يخبرنا الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) في هذا الحديث عن علامة من علامات الساعة، وهي أن (يحسر الفرات عن جبل من ذهب) و (الساعة) : (هي الوقت الذي يموت فيه الأحياء وينتهي فيه هذا العالم) [4] ، و (الساعة) بمعنى: القيامة، وقال الزجاج: اسم للوقت الذي تصعق فيه العباد والوقت الذي يبعثون فيه وتقوم فيه القيامة، سميت ساعة لأنها تفجأ الناس في ساعة فيموت الخلق كلهم عند الصيحة الأولى التي ذكرها الله (- عز وجل -) فقال: {إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ} [5] ، فلقلة الوقت الذي تقوم فيه القيامة سماها ساعة [6] ، قال تعالى: {ِإنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى} [7] .
فالساعة ستقوم بنص القرآن العظيم والحديث النبوي الشريف، ولكن قبل قيامها لها أمارات ذكرها الله تعالى في كتابه وذكرها رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) منها:
1 ـ علامات صغرى:
تنبأ الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) بها وأخبر أصحابه عن وقوعها ليكون المرء على أهبة الإستعداد لما سيراه بعدها من انقلاب كوني رعيب وتدمير وهلاك رهيب، وقد ظهر كثير منها أولها مبعث رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) ، كقوله (- صلى الله عليه وسلم -) : (( بعثت أنا والساعة كهاتين وأشار بالسبابة والوسطى ) ) [8] ، ومنها انشقاق القمر في عهده (- صلى الله عليه وسلم -) ، ومنها تطاول البنيان عند الحفاة العراة العالة رعاء الشاء، وأن تلد الأمة ربتها وسيدتها ومنها تضييع الأمانة وتوسيد الأمر لغير أهله وزوال الحياء من قلوب الرجال والنساء وتشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال، وظهور المائلات المميلات التي رؤوسهن كأسنمت البخت (الإبل الخراسانية) وضعف الإيمان في القلوب والتحلل من الأخلاق الحميدة [9] . وقد وقعت هذه وغيرها كثير، ومنها أن يكشف الفرات عن جبل من ذهب يقتل عليه كما في هذا الحديث، ويحتمل أن يكون المراد منه جبل من ذهب على حقيقته فيتقاتل الناس بينهم للحصول عليه أو أن يكون كناية عن الأموال الطائلة في منطقة الفرات والموارد المعدنية ومنها النفط الذي يسمى بالذهب الأسود، كما نرى تكالب الأمم الكافرة على هذه المنطقة وكثرة مؤامراتهم الخبيثة وحربهم ضدنا بصورة مباشرة أو غير مباشرة، والله أعلم. وقوله: فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون، كناية عن كثرة القتلى التي ستكون في هذه الحرب في منطقة الفرات، وقوله: (لعلي أن أكون أنا أنجو) فيه رجاء النجاة من القتل الكثير، ولذلك يرى أنه سيقتل، لأنه لا يبقى من
(1) ر 1370/ 407.
(2) رواه مسلم في البيوع / 1563.
(3) ر 1822/ 534.
(4) الحياة البرزخية من الموت إلى البعث، محمد عبد الظاهر خليفة / 238.
(5) سورة يس، الآية: 29.
(6) لسان العرب 2/ 240.
(7) سورة طه، الآية: 15.
(8) صحيح البخاري 8/ 131.
(9) ينظر: الحياة البرزخية من الموت إلى البعث / 238.