فهرس الكتاب

الصفحة 139 من 222

2 ـ الفعل المضارع: يتم العقد بصيغة الفعل المضارع إذا دلّت القرينة على إرادة إنشاء العقد فورًا أو توافرت نيّة الحال، وقلنا حالًا، لأن الفعل المضارع يحتمل الوعد بالعقد أو المساومة فيه، فكان من الضروري تعيين المراد في الحال وإنشاؤه حالًا مثل: أبيع وأشتري وأنكح وأرهن وأرضى إلى غير ذلك.

وكقوله (- صلى الله عليه وسلم -) : (( فأخذ رسول الله(- صلى الله عليه وسلم -) السيف، فقال من يمنعك مني؟ فقال: كن خير آخذ، فقال:"تشهد أن لا إله إلاّ الله وأني رسول الله؟"قال: لا، ولكني أعاهدك أن لا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك، فخلى سبيله، فأتى أصحابه فقال: جئتكم من عند خير الناس )) [1] .

في غزوة من غزوات رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) قيل إنها غزوة ذات الرقاع [2] ، استظلّ تحت شجرة وسيفه في حجره، فكان إعرابي يرصده، ويقال له غورث بن الحارث من بني محارب الذين خرج رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) لقتالهم [3] ، فلما جاءه أخذ سيف رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) وهو نائم فأيقظه وقال: يا محمد من يمنعك مني؟ قال: (الله ثلاثًا) أي ثلاث مرات زيادة في اليقين وثقة بالله تعالى وصدق توكله عليه والالتجاء إليه في كل حين مع إيمانه بأن هذا وسيفه لا يستطيعان أن يفعلا شيئًا دون إرادة الخالق، وهذا قمّة الإيمان والعقيدة. فسقط السيف من يده وأخذه رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) فقال له: من يمنعك مني؟ أي من البشر، وهذا استفهام يتضمن النفي أي لا أحد غير الله يمنعك منّي، قال الأعرابي: كُن خير آخذ، أي اعف عني وأحسن اليّ، فقال له الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) : أتشهد أن لا إله إلاّ الله وأني رسول الله؟ قال: لا ولكني أعاهدك أن لا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك. استعمل الأعرابي الفعل المضارع من العهد وهو العقد والميثاق وعدم قتله وإخلاء سبيله دليل ضمني على موافقة رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) على هذا العقد. فالعاقدان هما الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) والأعرابي. والمعقود عليه (أن لا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك) . ومجلس العقد تحت ظلّ شجرة في غزوة ذات الرقاع. وصيغة العقد هي لفظة (أعاهدك) وهي فعل مضارع يدل على الحال وهو الإيجاب. أما القبول هو رضاء رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) بقرينة، فخلى سبيله ولم يقتله.

وفي الحديث أن حراسة الإمام من الواجب على المسلمين وأن تضيعه من الخيانة والمنكر، ويجوز للمجاهد أن ينام ويضع سلاحه إن أمن من العدو. وفيه بيان حلم رسول الله

(1) ر 78/ 55.

(2) فتح الباري 6/ 71؛ وعمدة القاريء 14/ 190.

(3) عمدة القاريء 14/ 190؛ ونزهة المتقين 1/ 92.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت