فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 222

(- صلى الله عليه وسلم -) وبعد نظره ليكون مؤثرًا قي قومه في إسلامهم وصفحه عنه دليل على صبره وعدم الانتقام لنفسه، ولذلك يروى أنه أسلم [1] ، وفي الحديث معجزة لرسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) حينما قال له الأعرابي من يمنعك منّي؟ قال: الله تعالى، فلم يبال (- صلى الله عليه وسلم -) بقوله ولا تزعزع من مكانه، ولن يرجف قلبه او يتلعثم لسانه، بل بقي ثابتًا كالطود الشامخ أمام قزم من أقزام الشياطين، فلمّا شاهد الأعرابي تلك القوة التي تميز بها عن عادة الناس في مثل تلك الحالة تحقق صدقه وعلم أنه لا يمكن أن يصل إليه بضرر على الرغم من أنه عدو متمكن بيده سيف مشهور وموت حاضر، فلم يتغير له ولم يحصل له روع أو خوف مع اقترانه التحدي وهو أعزل من السلاح.

وكقوله (- صلى الله عليه وسلم -) : (( ألا تبايعون رسول الله(- صلى الله عليه وسلم -) وكنا حديثي عهد ببيعة، فقلنا قد بايعناك يا رسول الله، ثم قال: ألا تبايعون رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) فبسطنا أيدينا وقلنا: قد بايعناك يا رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) فعلاّم نبايعك؟ قال: على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا والصلوات الخمس وتطيعوا وأسرّ كلمة خفية: ولا تسألوا الناس شيئًا فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحدًا يناوله إياه )) [2] .

هذا الحديث يرويه عوف بن مالك الأشجعي (- رضي الله عنه -) وهو أحد أصحاب رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) يوضّح فيه مبايعتهم ليلة العقبة لرسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) وعددهم بين تسعة وسبعة، لأنه لم يضبط العدد على وجه التحديد نسيانًا منه أو غلب على ظنّه أنهم كانوا بهذا العدد.

حضّهم رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) على المبايعة وهم على جهل بها، فقال (- صلى الله عليه وسلم -) لهم: ألا تُبايعون رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) فـ (ألا) أداة تحضيض و (تبايعون) فعل مضارع وفاعله (واو الجماعة) فقالوا له: قد بايعناك يا رسول الله، ثم كرر المبايعة له وأجابوه: قد بايعناك يا رسول الله، ثم استفهموا منه على أي شيء نبايعك، فقال (- صلى الله عليه وسلم -) : على أن تعبدوا الله، أي: على عبادته وحده ولا تجعلوا له ندًا من المخلوقات، وعلى أداء الصلوات الخمس في الليل والنهار ثم تطيعوا من ولي عليكم فيما أطاع الله ورسوله، وعلى عدم سؤال الناس شيئًا من أموالهم، طلب رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) منهم المبايعة وأصلها من البيع، فلما كان البيع والشراء عقدًا يلزم فاعلهما على الأتيان بهما، كذلك المبايعة تكون أكثر التزامًا وأشدّ تنفيذًا للعقد وهي على صيغة (فاعل) لتدل على الزيادة والمشاركة، فكان هذا عقدًا بين رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) وبين هؤلاء، فالعاقدان هنا رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) وهؤلاء النفر، والمعقود عليه

(1) عمدة القاري 14/ 190.

(2) ر 529/ 206.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت