فهرس الكتاب

الصفحة 147 من 222

في هذا الحديث الشريف يحثّ رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) المسلمين على الإسراع بالأعمال الصالحة والإتيان بها قبل وجود فتن متعاقبة كتعاقب الليالي المظلمة، والفتن: هي الذنوب والموانع والمحن والمصائب الشديدة المظلمة التي تحول بين المرء وقلبه [1] ، وهذا من تنبؤات الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) من كثرة الفتن التي ستكون في آخر الزمان فيحذرنا عند وقوعها، ويكون المرء غير مستقر الإيمان، بحيث يكون في الصباح مؤمنًا وعند المساء يكفر ويرتدّ ويكون في المساء مؤمنًا فيصبح مرتدًا كافرًا منقلبًا راكضًا وراء أهوائه وشهواته لايردعه رادع العقيدة ولايزجره زاجر الإيمان لأنه قد أصبح عابدًا لهواه طائعًا لطاغوته، كما قال تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} [2] يبيع دينه بمتاع وحطام من الدنيا، أي أن سبب كفره بيعه لدينه وأخذه العرض عوضًا عنه كأن يأخذ او يستحل مال إخوته المسلمين أو يستحل الحرام بأنواعه.

استعمل الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) لفظة (يبيع) وهي من الفاظ العقود، وهي فعل مضارع ينعقد العقد بصيغته. فعناصر العقد هنا في الحديث هي العاقدان: هما الرجل والهوى أو الشيطان، والمعقود عليه عرض من الدنيا مقابل تنازله عن دينه، ومجلس العقد في كل لحظة من آخر الزمان وكل بقعة من الأرض يذنب فيها، وصيغة العقد هي الإيجاب من الرجل في شراء عرض من الدنيا والقبول من الهوى والشيطان.

وفي الحديث تشبيه الفتن المتعاقبة واحدة تلو الأخرى كطوائف الليل المظلم، كلما ذهبت ساعة منه مظلمة أعقبتها ساعة مثل ذلك، وفيه مقابلة بين يمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، وكذلك إستئناف بياني في قوله: (يبيع دينه بعرض من الدنيا) [3] .

2 ـ قال (- صلى الله عليه وسلم -) : (( رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى ) ) [4] .

في هذا الحديث الشريف يدعو رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) لكل رجل سهل في التعامل مع الآخرين سواءًا كان في بيعه أو شرائه أو طلب حقّه وقضاء حاجته، وفي هذا المعنى تكون جملة

(1) ينظر: نزهة المتقين 1/ 100.

(2) سورة الجاثية، الآية: 23.

(3) دليل الفالحين 2/ 48.

(4) ر 1368/ 406.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت