فهرس الكتاب

الصفحة 148 من 222

(رحم الله رجلًا) دعائية إنشائية، وهذا ما جزم به ابن حبيب المالكي وابن بطال ورجّحه الداودي [1] .

ويجوز أن تكون جملة (رحم الله رجلًا) خبرية، أي أن الله غفر لرجل قبلكم ورحمه، لأنه كان في تعامله سهلًا وسمحًا حين يبيع أو يشتري أو يطلب قضاء حاجته، ويؤيد هذا المعنى ما رواه الترمذي بلفظ (غفر الله لرجل كان قبلكم كان سهلًا إذا باع ... ) وهذا يشعر بأنه قصد رجلًا بعينه، قال الكرماني: ظاهره الإخبار لكن قرينة الإستقبال المستفاد من إذا تجعله دعاءأ وتقديره: (رحم الله رجلًا يكون كذلك) [2] .

ويجوز أن يكون الحديث في رجل كان قبلكم قد غفر الله له لسماحته في بيعه وشرائه وقضاء حاجته، وفي هذا إخبار عنه، كما رواه الترمذي [3] ، ويحتمل هذا الحديث أن يكون للدعاء لكل رجل تكون أخلاقه حسنة وتعامله سهلًا تأكيدًا، لذلك الحديث، ولكن الفرق بينهما أن حديث الترمذي في الإخبار، وهذا للدعاء والإنشاء لكل من يتعامل بهذه الصورة الحسنة.

وقوله (سمحًا) أي متسامحًا متساهلًا في التعامل، وقد جاءت صفة مشبهة للدلالة على الثبوت والدوام كأنه سجية من أخلاقه وقد جبل عليها، وقوله: (إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى) أي إذا باع سلعة أو اشتراها أو طلب قضاء حقه، فيكون جوادًا كريمًا متساهلًا دون أن يلحف أو يضيق على المعسرين، وإذا كان الحق عليه أعطى الذي عليه بسهولة بغير مطل ولا مشاحنة. ولذا نرى الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) ذكر أحوال البيع والشراء والتقاضي، أي أنه في كل تعامله يكون حاملًا هذه الصفة الثابتة.

وقد ذكرت لفظتا (باع، واشترى) وهما من ألفاظ العقود والتي تدل كل منهما على وجود عقد، وهذا العقد تتكون عناصره من الرجل إذا كان بائعًا ومن غيره إذا كان مشتريًا منه، فالعاقدان هما الرجل وآخر. والمعقود عليه محذوف يدل عليه البيع وهو (سلعة) ، وصيغة العقد باع وهو فعل ماض يدل على إنشاء العقد.

ومما يستفاد من الحديث: أن الله (- عز وجل -) إذا رحم أحدًا أدخله الجنة، ويعضد هذا المعنى ما رواه النسائي: (( أدخل الله الجنة رجلًا كان سهلًا مشتريًا وبائعًا وقاضيًا ومقتضيًا ) ) [4] . وفيه الحث على المسامحة وحسن المعاملة ومكارم الأخلاق، وذلك لإنزال

(1) فتح الباري 4/ 260.

(2) م. ن 4/ 260.

(3) رواه الترمذي في سننه برقم 1320؛ وينظر: فتح الباري 4/ 260.

(4) عمدة القاري 11/ 189.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت