فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
البركة في البيع والشراء، ولأن الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) لا يحض إلاّ على ما ينفع الإنسان في دينه ودنياه. وفي الحديث طباق بين (باع، واشترى) .
3 ـ قال (- صلى الله عليه وسلم -) قال الله تعالى: (( ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى ولم يعطه أجره ) ) [1] .
في هذا الحديث الشريف يبين لنا رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) أن الله سيكون خصم ثلاثة أنفس أو أصناف من الناس، وقد ذكر الثلاثة ليس للتخصيص، لأن الله خصم لجميع الظالمين، ولكن لمّا أراد التشديد على هؤلاء الثلاثة صرّح بها. فالويل لمن كان رب العالمين خصمه، والخصم هو المنازع والمغالب، ويقع على المفرد وغيره، والمذكر والمؤنث بلفظ واحد [2] ، ولإنه سيعذبه عذابًا أليمًا. أما الأول: منهم فإنه عاهد الله تعالى أو حلف بالله ثم نقضه، ولإنه هتك حرمة اسم الله تعالى فخان عهده ولم يلتزم بعقده الذي عقده مع الله تعالى. وأما الثاني: فإنه باع حرًّا وأكل ثمنه فاعتدى على حق الله (- عز وجل -) فإن حقّه في الحر إقامته على عبادته التي خلق المخلوقات كلها لعبادته {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِي} [3] ، فمن استعبد حرًّا فقد أبعده عن العبادات المختصة بالإحرار كالجمعة والحج والجهاد والصدقة ونوافل أخرى يتركها العبد حرصًا على خدمة سيده، ولذلك ناقض حكم الله تعالى في الوجود، فكبرت الجريمة وعظمت الجريرة، وليس في الظلم أعظم ممن يسترق إنسانًا خلقه الله تعالى حرًّا، ليلزمه حال الذلة والهوان. وأما الثالث: فهو الذي استأجر أجيرًا مثل من يستعبد الحر ويعطله عن كثير من نوافل العبادات فشابه الذي باع حرًّا فأكل ثمنه فهو الذي استوفى منفعته بغير عوض، وكأنه أكلها ولإنه استخدمه بغير أجره فكأنه استعبده، ولذلك عظم وزره وكبر ذنبه، فاستحق أن يكون هؤلاء الثلاثة خصمهم رب العالمين [4] .
استعمل الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) ألفاظًا ثلاثة، وهي تفيد إتمام العقود، وهي: (اعطي بي) و (باع) و (استأجر) . فأما الأول: (أعطي بي) حذف المفعول به له، لأنه واضح من سياق الجملة مع قرينة (ثم غدر) والغدر لايكون إلاّ في نقض العقود والمواثيق، ولذلك دلّت لفظة (أعطى) على أن هناك عقدًا، والصيغة تكون: رجل عقد مع الله عهدا أو يمينًا فنقضه، فالعاقد هو الرجل. والثاني: هو الله (- عز وجل -) . والمعقود عليه عهدًا أو يمينًا،
(1) ر 1587/ 471.
(2) نزهة المتقين 2/ 311.
(3) سورة الذاريات، الآية: 56.
(4) ينظر: فتح الباري 4/ 346، 347؛ وعمدة القاري 12/ 42؛ ودليل الفالحين 8/ 86.