فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
الحضري بتولي بيع سلعة البادي بما لا تعم الحاجة إليه من الأمتعة أو بما تعمّ، لكن ليبيعه له بسعر يومه أو بالتدريج فلا حرمة فيه [1] .
والتحريم، أي: تحريم بيع الحضري للبدوي الجاهل بالسعر لا يجوز، ولو كان هذا الحضري أخًا له من أبيه وأمه للدلالة على قوة صلة القرابة، فإذا كان هذا لا يجوز وبصورة أولى فالأبعد منهي عن بيعه للبدوي. في الحديث لفظة (يبيع) وهي فعل مضارع يدل على العقد الذي يتم بين الحضري والبدوي في بيع سلعة ما فالعاقدان هما الحاضر والباد والمعقود عليه محذوف تقديره (سلعة أومتاعًا) ، ومجلس العقد: هو الزمان والمكان الذي يتم فيهما العقد، وصيغة العقد: الايجاب، وهو من الحاضر والقبول من الباد.
ويستفاد من الحديث النهي عن بيع الحضري للبدوي لما في ذلك من البخس في السعر وخدعة للآخرين. وفي الحديث طباق بين (حاضر وباد) .
5 ـ قال (- صلى الله عليه وسلم -) : (( إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد ضالة فقولوا لا ردها الله عليك ) ) [2] .
ينهى رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) في هذا الحديث عن البيع والشراء في المسجد وعن إنشاد الضالة فيه، جاء في تحفة الأحوذي للمباركفوري: قوله إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد أي يشتري، قال: حذف المفعول، أي عدم ذكره لأنه في حالة ذكره يخصص يدل على العموم فيشمل الكتب أو السبح أو المصاحف ... إلخ، فقولوا: أي لكل منهما باللسان جهرًا أو بالقلب سرًا، والظاهر أن يكون القول باللسان جهرًا، ويدل عليه حديث بريدة (لا أربح الله تجارتك) وهو دعاء عليه، أي: لا جعل الله تجارتك ذات ربح ونفع، ولو قال لهما معًا لا أربح الله تجارتكما جاز لحصول المقصود وإذا رأيتم من ينشد ضالة، أي يطلب برفع صوته في المسجد، قال: الضالة: هي الضائعة وكل ما يقتنى من الحيوان وغيره، يقال ضلّ الشئ إذا ضاع وضلّ عن الطريق إذا حار، وقد اتسعت حتى صارت من الصفات الغالبة، وتقع على الذكر والأنثى والإثنين والجمع، وتجمع على ضوال [3] . فإذا أبصرتم من يسأل عن ضالته في المسجد فقولوا: (لا ردّها الله عليك) أيضًا فـ (لا) نافية للدعاء، أي: تدعو عليه بأن بألاّ يرجعها الله عليه.
في الحديث لفظة (يبيع) و (يبتاع) بمعنى يشتري، فإذا وجدتم بائعًا قد عقد البيع أو شاريًا فادعوا عليهما بعدم الربح والنفع. ولفظة (يبيع) تدل على عقد البيع، والعاقدان هما (من) والمشتري (هو) ، والمعقود عليه (متاعًا) ، ومجلس العقد في المسجد، وصيغة العقد هي الإيجاب من البائع والقبول من المشتري.
وفي الحديث جناس غير تام بين (يبيع ويبتاع) ، وكذلك فيه طباق، لأن (يبتاع) بمعنى يشتري.
ب ـ المبايعة ومشتقاتها:
1 ـ عن جرير بن عبد الله (- رضي الله عنه -) قال: بايعت رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم )) [4] .
يقول جرير بن عبد الله البجلي (- رضي الله عنه -) : بايعت رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) : من المبايعة، وهو عقد العهد، فكأنما هذا بيع وشراء ولكنه في المعاهدة والطاعة [5] ، أي أنه عقد مع رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) عقدًا، وهذا العقد كان على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم. فالعاقدان: هما رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) وجرير. والمعقود عليه: هو (إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم) . ومجلس العقد: هو حين تم العقد مع رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) . وصيغة العقد: هي الإيجاب من الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) والقبول من جرير.
إن رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) جعل النصيحة لكل مسلم شرطًا في الذي يبايع عليه كالصلاة والزكاة، فلذلك نراه قرنها بهما، وهناك حديث آخر يخبرنا أن المبايعة تكون في السمع والطاعة، ولم يذكر الصوم لدخوله تحت السمع والطاعة، وقيل إنما اقتصر عليها لأنهما أهم أركان الدين وأظهرها وهما العبادات البدنية والمالية [6] .
وجعلت النصيحة لكل مسلم دينًا كما في قوله (- صلى الله عليه وسلم -) : (الدين النصيحة) [7] لأنها عماد
الدين وقوامه، كقوله (- صلى الله عليه وسلم -) (الحج عرفة) [8] ، فهو من الحصر المجازي، أي أنه أريد
(1) ينظر: دليل الفالحين 8/ 233.
(2) ر 1697/ 499.
(3) تحفة الأحوذي 4/ 458.
(4) ر 182/ 92.
(5) ينظر: لسان العرب. مادة (بيع) 1/ 299.
(6) ينظر: عمدة القاريء 1/ 324.
(7) ر 181/ 92.
(8) مختصر سنن ابن ماجة / 391؛ وينظر: رسالة الحج، الوعي الإسلامي، عدد ذي القعدة / 38؛
وينظر: مهمات الحج والعمرة على مذهب الإمام الشافعي، لشكري احمد الزاويني / 20.