فهرس الكتاب

الصفحة 152 من 222

المبالغة في مدح النصيحة حتى جعلت كل الدين، والنصيحة فرض تجزئ فيه من قام به ويسقط عن الباقين.

2 ـ عن عبد الله بن عمرو بن العاص (- رضي الله عنه -) قال: أقبل رجل إلى نبي الله (- صلى الله عليه وسلم -) (( فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من الله تعالى. قال: فهل لك من والديك أحد حيّ؟ قال: نعم بل كلاهما، قال: فتبتغي الأجر من الله ... تعالى؟ قال: نعم. قال: فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما ) ) [1] .

جاء أحد أصحاب رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) إليه قيل هو (جاهمة بن العباس بن مرداس) [2] ليبايعه على مفارقة وطنه وقتال أعداء الله والجهاد في سبيله معللًا مبايعته لطلب الأجر من الله تعالى، فسأله الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) بقوله: فهل من والديك أحد حيّ؟ قال: نعم بل كلاهما. فقال له (- صلى الله عليه وسلم -) : فتبتغي الأجر من الله تعالى؟ وهذا استفهام حذفت الهمزة من الجملة، أي: أتفعل ذلك فتبتغي الأجر من الله؟ فالهمزة والمعطوف عليه مقدران، قال: نعم. قال: فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما. أسقط رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) عنه وجوب الهجرة، وذلك لوجود والديه، فإذا كانت الهجرة واجبة عليه فقد عارضها ما هو أوجب منها، وهو حق الوالدين وإن لم تكن واجبة فالواجب أولى لكن هذا إنما يصح ممن يكون في مأمن من دينه وعرضه وماله. أما إذا خاف على دينه وجبت عليه الهجرة كما فعل المهاجرون الذين هم صفوة الله من العباد [3] .

وفي الحديث إشارة إلى تقديم برّ الوالدين على الجهاد إذا كان فرض كفاية فيحرم عليه أن يجاهد إلاّ بإذنهما، وإذا كان فرض عين فلا حاجة إلى إذنهما.

أراد الصحابي أن يتفق مع رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) على عقد، فبايعه الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) على عقد آخر وهو البرّ بالوالدين. لأن الذي يضحي بنفسه في سبيل الله ويترك الوطن والأهل فجهاد الوالدين والتلطف بهما والإحسان إليهما أهون من ذلك، ولهذا فإنه ضمنًا بايع الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) على هذا العقد الجديد ووافق الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) على ذلك فتم العقد، وكانت عناصره مكونة من

(1) ر 321/ 137.

(2) ينظر: عمدة القاري 14/ 251؛ دليل الفالحين 3/ 202.

(3) ينظر: دليل الفالحين 3/ 203.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت