وقلنا أنها تجر النكرات، ويأتي بعدها الأسم الظاهر كقوله (- صلى الله عليه وسلم -) : (( نضر الله امرءًا سمع منّا شيئًا، فبلغه كما سمعه، فربّ مبلّغ أوعى من سامع ) ) [1] .
دعا رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) لكل إنسان ينقل أقواله كما هي سواءًا أداها في المعنى أم لفظًا ومعنى، ولكن نقله من حيث اللفظ والمعنى كان أفضل لما في ذلك حفاظ على ألفاظ السنة كما سمعها فهو سعي إلى نضارتها، فكأنه جعل المعنى بذلك غضًا طريًا بخلاف ما لو بدلها ولو بمرادف فإنه جعله مبتذلًا، فإذا بدّل (نضّر) بـ (حسّن) لفاتت المعاني الدقيقة المستفادة من نضر.
وقوله (- صلى الله عليه وسلم -) : (فرب مبلّغ أوعى من سامع) (فربّ) حرف جر شبيه بالزائد وهي هنا للتكثير، أي كثير ممن سمعوا الحديث من الصحابي يكونون أدق في فهم أسرار الألفاظ ومعاني العبارات من بعض الصحابة، وأفهم منهم فيما بلغه له عنه (- صلى الله عليه وسلم -) ولا بدع في ذلك فإنه يكون في المفضول مزايا لا تكونوا في الفاضل [2] . وفي الحديث حثّ على تبليغ ما قاله الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) من غير تغيير شيء منه، وفيه التأييد برواية الحديث بالمعنى للعارف بمؤدى الألفاظ والمراد بها، ودلالة على أن القصد إنما هو أصل المعنى دون المحسنات التي يتكلم بها الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) والتي لايصل أحد من أبناء البشر أن يأتوا بمعشار فصاحته وبلاغته. ولأن حصر الحديث بالألفاظ ضياع لكثير منها، وحرج على كثير منّا في نقل كلام رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) فاقتضت مصلحة الدين التوسيع على الناس في طرق الرواية بالمعنى.
استعمل الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) لفظة (ربّ) وهي حرف جر شبيه بالزائد، وقد جاء الأسم المجرور (مبلغ) نكرة بعده، فهو مجرور لفظًا مرفوع محلًا على أنه مبتدأ.
وكلمة (ربّ) تستعمل في أساليب الإنشاء غير الطلبي لأنها لاتحتمل الصدق ولا الكذب.
3 ـ ويأتي بعد الأسم المجرور بـ (ربّ) نعت، ولنا أن نجره حسب اللفظ أو نرفعه أو ننصبه حسب المجرور بـ (ربّ) مثل: ربّ صديق لطيف احترمه الناس [3] . فلطيف صفة لرجل، ويكون هذا النعت مفردًا كما في المثال السابق.
وكقوله (- صلى الله عليه وسلم -) : (( ربّ أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبرّه ) ) [4] .
(1) ر 1389/ 410.
(2) ينظر: دليل الفالحين 7/ 203.
(3) معجم الشامل / 500.
(4) ر 257/ 117.