فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 222

فأقسموا لرسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) بلفظ الجلالة (والله) لتوكيد حديثهم بالمقسم عليه وهو ما نقبل، وشبه الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) القلوب بالثياب فحذف المشبه به وأبقى المشبه وجاء بشيء من لوازمه وهو (نزع) على سبيل الاستعارة المكنية.

ب ـ القسم بلفظ (الرب) : ان كلمة الرب وردت صراحة في أحاديث رياض الصالحين، ومن ذلك:

قال أنس بن النضر: (يا سعد بن معاذ الجنة ورب الكعبة، اني أجد ريحها من دون أحد ... ) [1] .

غاب أنس بن النضر عن معركة بدر فعاهد رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) في معركة قادمة بالقتال الشديد والجهاد وحتى يري الله ما يصنع، فكان من حسن حظه أن أراه الله قتال المشركين في معركة أحد، فقاتل قتال الشجعان المؤمنين حتى استشهد (- رضي الله عنه -) وقبيل استشهاده لقي سعد بن معاذ، فقال له:"يا سعد بن معاذ الجنة ورب الكعبة"ويروى يا سعد بالفتح وبالضم لأنه وصف [2] .

ويروى الجنة بالفتح والضم، فالفتح على أنها مفعول به لفعل محذوف تقديره أريدها، وبالضم على أنه مبتدأ. والواو واو القسم وفعل القسم محذوف، ولفظ الجلالة (رب) مقسم به مجرور ومضاف والكعبة مضاف اليه والمقسم عليه محذوف دل عليه ما سبقه.

أقسم أنس أنه يجد الجنة وريحها دون أحد يجوز أن يكون على حقيقته، وقد رأى الجنة بعينيه لأنه في اثناء الاحتضار تنزل الملائكة على عباده الصالحين [3] ، قال تعالى {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} [4] ، ويجوز أن تكون كناية عن قرب الجنة.

وروي (رب) مضاف إلى الكعبة مرة، وأخرى إلى والده. فإذا أضيف إلى الكعبة لأنها رمز وحدة المسلمين وقبلتهم وانهم على دين حق، ماداموا متجهين إليها بأمر من الله تعالى {وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [5] ، وان أضيف الرب إلى النضر إشارة إلى أنه سيموت، كما أن والده قد مات معه، لأن الإنسان يتذكر أعزاءه عند الاحتضار.

وكقوله (- صلى الله عليه وسلم -) : (( ثم أخذ رسول الله(- صلى الله عليه وسلم -) حصيات فرمى بهن وجوه الكفار، ثم قال: (انهزموا ورب محمد) فذهبت أنظر فاذا القتال على هيئته فيما أرى ... )) [6] .

كانت معركة حنين من المعارك الضارية التي كاد المسلمون أن يخسروها لولا فضل الله، ثم ثبات رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) حتى انهزم المسلمون في بداية المعركة ولم يبق مع رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) إلا نفر قليل فأمر العباس بأن ينادي أصحاب السّمرة فنادى وإذا بهم قد عطفوا عطفة البقر على اولادها. ثم أن الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) قال: (( انهزموا ورب محمد ) )قالها رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) ، وهي حقيقة لاتنكر، فضلا عن إنها حرب نفسية لرفع معنويات جنده في ساعة الشدة وأكد قوله بقسمه (- صلى الله عليه وسلم -) ـ وقوله الحق والصدق ـ فقد أقسم (بربه) لأنه هو الذي رباهم وغرس في نفوسهم حب الايمان والتضحية في سبيله، وأضاف الرب إلى نفسه ليعلم أصحابه بأن ربه لا ينساه وأن نصره الموعود لا يخطاه. فالواو: واو القسم و (رب) مقسم به مجرور وهو مضاف و (محمد) : مضاف إليه مجرور والمقسم عليه محذوف تقديره (( انهزموا ) )وقد حذف وجوبا لأنه دل عليه ما قبل القسم ولأنه تحذف جملة جواب القسم وجوبا إذا تأخر القسم وتقدم عليه جملة تغني عن جوابه [7] .

ج ـ القسم بالاسم الموصول (الذي) : ان كلمة الذي (اسم غامض مبهم الدلالة) [8] ، ‍‍‍‍‍وهي من الموصولات الاسمية، فلا يتبين معناه الا بأحد شيئين: الشيء الأول هو جملة، والشيء الثاني هو أن يكون شبه جملة وكلاهما يسمى (صلة الموصول) [9] .

إذن فكلمة (الذي) هي اسم موصول والشيء الذي يبين معناه يسمى صلة الموصول، وهي اما أن تكون جملة فعلية أو أن تكون جملة اسمية أو شبه جملة، ولابد أن يكون في الصلة ضمير عائد على الاسم الموصول أو ما يغني عن الضمير.

و (الذي) يختص بالمفرد المذكر للعاقل وغير العاقل وهو مبني على السكون في كل حال فيكون في محل رفع أو نصب أو جر حسب موقعه من الجملة.

ولقد ورد القسم بالاسم الموصول (الذي) في أحاديث رياض الصالحين منها قسم للرسول (- صلى الله عليه وسلم -) ، ومنها لأصحابه، ومنها على لسان الملائكة، وجاءت صلته جملة بنوعيها اسمية وفعلية، وعلى النحو الآتي:

(1) ر 109 ـ 65.

(2) ر 1317 ـ 396.

(3) ينظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير 4/ 101.

(4) سورة فصلت، الآية: 30.

(5) سورة البقرة، من الآية: 150.

(6) ر 1850 ـ 540.

(7) ينظر: النحو الوافي 2/ 504.

(8) م. ن 1/ 340.

(9) م. ن 1/ 341.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت