فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 222

وينقسم هذا القسم الى جملتين: الاولى، فعلية. والثانية، اسمية.

أـ فالجملة الفعلية، كقوله (- صلى الله عليه وسلم -) : (( لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته ) ) [1] ، عندما سمع رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) كلمة من عائشة ما تسخط الله تعالى وتغضبه أقسم لها وبين عظم وزرها وضخامة اثمها لردعها من أن تعيب صفية أو غيرها حيث أخرجت هذه الصورة قباحة هذه الكلمة وبشاعتها في التأثير على سبيل التمثيل، ان هذه الكلمة وان كانت لا يلقى لها بالا، ولكنها عظيم اثمها كبير جرمها، لأن الذي خلق صفية أم المؤمنين قصيرة (- رضي الله عنه -) هو الله تعالى، فالذي يعيب الصنعة فإنما يستصغر الصانع وينتقص منه، ولذلك وضح لها رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) مقسما بأن هذه الكلمة لو اختلطت بماء البحر الواسع لعكرت ماءه وكدرت صفاءه.

والقسم هنا مقدر دلت عليه اللام [2] ، وكقوله (- صلى الله عليه وسلم -) لعائشة عندما سألته:"هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال: (( لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيته منهم يوم العقبة ... ) ) [3] ."

غزوة أحد: احدى المعارك التي دارت بين رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) وبين المشركين على جبل قريب من المدينة في السنة الثالثة للهجرة النبوية الشريفة، انهزم المسلمون فيها عسكريا، وكسرت رباعية الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) ، وشج وجهه الشريف، وسقط في الحفرة التي حفرها الفاسق ابو عمرو الراهب، وقتل من المسلمين اكثر من سبعين رجلا منهم حمزة عم رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) ، ومثل بجسده الطاهر [4] ، فاذن وقعها كبير وتأثيرها شديد، لكن الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) يقسم لها أن يوم العقبة، ولعله يقصد بالعقبة عقبة الطائف [5] ، بدليل أنه ذكر عرض نفسه على ابن باليل بن عبد كلال وهو من زعماء ثقيف في الطائف كان أشد من غزوة أحد، لأنه لاقى الأذى في بلد غير بلده وهو مطرود من هؤلاء، وهو وحيد فريد لا ناصر له ولا معين الا الله سبحانه.

فاللام في (لقد) واقعة في جواب قسم مقدر تقديره (والله لقد لقيت) فدلت هذه اللام مع (قد) على القسم المقدر لتوكيد الخبر وحذف القسم للإيجاز لأنه خير الكلام ما قل ودل.

وكقوله (- صلى الله عليه وسلم -) : (( لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله تعالى عليه ) ) [6] .

هذا الحديث جاء جوابًا لمعاذ بن جبل عندما استفسر منه عن عمل يدخله الجنة ويباعده من النار. استعمل معاذ الفعل للمبالغة كان بإمكانه أن يقول ويبعدني لكنه أبدله بيباعدني لانه اذا زيد في المبنى زيد في المعنى [7] ، وفيه مجاز عقلي لانه اسند الفعل الى العمل، (يدخلني ويباعدني) وفي الحقيقة ان الذي يدخل ويباعد هو الله (- عز وجل -) .

وأقسم رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) له من ان هذا الامر عظيم فحذف الموصوف وجاء بصفته فهو كناية عن نسبة. وجملة القسم محذوفة دلت عليه اللام المفتوحة في (قد) والتنوين في عظيم يفيد التعظيم [8] (( وانه ليسير على من يسره الله ... عليه ) ).

فمن اراد النجاة من النار والدخول في جنته بقلب سليم ونية صادقة يسر الله له امره وذلل له الصعاب واعانه على مناه واخذه بيده لتحقيق مبتغاه وامتناع ذلك وعزته صار توهم يسره كالمنكر عند السامع لما اوهم قوله وأتى بمؤكدات مثل (لقد وانه) لدفع ذلك الامتناع [9] .

وكقوله (- صلى الله عليه وسلم -) : (( لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود ) ) [10] أقسم رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) لابي موسى الاشعري راوي الحديث انه قد وهب الله له صوتًا حسنًا كأنما صوت مزمار من مزامير آل داود حيث شبه حلاوة صوته وحسن نغمته بصوت مزمار آل داود فحذف المشبه (الصوت) وابقى المشبه به (المزمار) على سبيل الاستعارة التصريحية واتى بالفعل المبني للمجهول لان الصوت هبة إلهية ولذلك بسند الفعل الى ابي موسى (- رضي الله عنه -) والمزمار له صوت حسن لكن مزمار آل داود يفرق عن بقية المزامير لعذوبة صوته ونغم رنته. اذن صوت ابي موسى (- رضي الله عنه -) افضل من بقية الاصوات واستعمل الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) كلمة (آل) لان داود نبي مرسل وهو يمثلهم جميعًا كإبراهيم (- عليه السلام -) عندما قال الله فيه إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ

(1) ر 1525 ـ 428.

(2) شرح الكافية الشافية 3/ 840.

(3) ر 643/ 236.

(4) ينظر: الرحيق المختوم، للمباركفوري، ص327؛ وفقه السيرة، لمحمد سعيد البوطي، ص254؛

وينظر: دليل الفالحين 5/ 126.

(5) نزهة المتقين 1/ 461.

(6) ر 1522/ 447.

(7) ينظر: الكشاف، للزمخشري 1/ 41؛ وينظر: معاني الابنية في العربية، د. فاضل السامرائي،

ص 90.

(8) دليل الفالحين 8/ 10.

(9) دليل الفالحين 8/ 10.

(10) ر 1005/ 329.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت