أُمَّةً [1] لعظم منزلته وعلو قدره ورفعة شأنه، كأنما يعادل مجموعة من الناس، ففي ذلك ثناء عليه وتبيان لفضله [2] .
جملة القسم: محذوفة دلت عليها لام القسم المفتوحة مع قد تقديره (والله) وجواب القسم (لقد أوتيت ... ) .
وكقوله (- صلى الله عليه وسلم -) : (( لقد رأيت رجلا يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي المسلمين ) ) [3] .
اللام في (لقد) واقعة في جواب قسم مقدر تقديره: (والله) وهي دالة على القسم المحذوف.
في هذا الحديث الشريف يرشد رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) امته الى كل ما ينفع المسلمين ويبعد عنهم الضرر ولو كان يسيرًا كإزالة ما يؤذي الناس عند مرورهم في الطرقات، وحرص رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) على المرافق العامة ونظافتها والعناية بها كالطرقات والحدائق العامة وسواها من المرافق الضرورية في حياة المجتمعات [4] ورؤيته (- صلى الله عليه وسلم -) لهذا الرجل اما ان تكون ليلة الاسراء والمعراج كسماعه دف نعلي بلال في الجنة، أو أنه بلغ من الله تعالى، لأنه سواء في ذلك سماعه ورؤيته (- صلى الله عليه وسلم -) . والظاهر ان هذا الرجل كان غير معروف لدى الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) ولذلك اتى به نكرة.
وكلمة يتقلب: فعل مضارع وفاعله، هو يعود على (رجلا) بمعنى أنه يتصرف في الجنة حيث يريد، أي يتحول من مكان الى مكان يتنعم بملاذها، وهي كناية عن سعة النعيم وعظم الثواب (في شجرة) . في: سببية [5] أي بسبب الشجرة أزالها عن طريق الناس والاسلام لايأمر بقطع الأشجار الا اذا ترتبت عليها أذية الناس وكان ضررها اكبر، فلما كانت مؤذية لهم وازالة الأذى واجبة ومن ثم أخذ الرجل يتقلب في الجنة حيث يشاء. وفي الحديث مجاز عقلي، لأن الشجرة لاتؤذي بنفسها، فأسند الأذية اليها على سبيل المجاز.
وكقوله (- صلى الله عليه وسلم -) : (( فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان قد بلغ مني فنزل البئر فملأ خفه ماء ثم أمسكه بفيه حتى رقى فسقى الكلب فشكر الله له فغفر
(1) سورة النحل، الآية: 120.
(2) ينظر: تفسير أولى ما قيل في آيات التنزيل، لرشيد الخطيب الموصلي 4/ 155.
(3) ر 127/ 17.
(4) ينظر نزهة المتقين 1/ 126.
(5) دليل الفالحين 2/ 137.