والحديث فيه طباق بين (أحسن إليهم ويسيئون إليّ) وبين (أصلهم ويقطعوني) وبين (احلم عنهم ويجهلون علي ) ) والطباق إذا كان على هذه الصورة فهو مقابلة، لأنه واقع في اكثر من معنيين [1] .
(( لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم الملّ ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك ) ). أي انك عندما تحسن اليهم تحزنهم وتحقرهم في أنفسهم لكثرة إحسانك وقبيح فعلهم، فهم من الخزي والحقارة عند انفسهم كمن يسف الرماد الحار في وجوههم وكأنه يحرق أحشاءهم [2] . وظهير يطلق على الواحد والجمع، وفي القرآن الكريم: {وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} [3] .
واللام في (لئن) لام مفتوحة دلت على القسم المقدر تقديره (والله أو أقسم بالله لئن) وجواب القسم هو (فكأنما تسفهم المل) فان مدة دوامك على ذلك الأمر فان لك من الله ظهيرا ومعينا عليهم، فأنت الرابح ومن عاداك هو الخاسر. والمل: الرماد الحار، فان تناول الرماد من المضر وان لم يكن حارًا وهو تشبيه لما يلحقهم من الاثم أو من جرائه، فان آكل الرماد يحس من الألم بجامع التألم والتوجع [4] .
ومن ذلك القسم المقدر الفعل المضارع مع اللام المفتوحة، كقوله (- صلى الله عليه وسلم -) : (( لأعلمنك أعظم سورة في القرآن، قال: الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته ) ) [5] ، هذا حديث يرويه أبو سعيد رافع بن المعلى (- رضي الله عنه -) يخبره الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) من أنه سيعلمه اعظم سورة في القرآن الكريم، فبين له رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) أن أعظم سورة هي سورة الفاتحة، لأنها جمعت جميع مقاصد القرآن [6] ، ولذا سميت بأم القرآن ففيها مجمل عقيدة التوحيد وعبادة الله والوعد والوعيد والعبرة بقصص الماضين من السعداء والضالين، وهي التي تثنى وتقرأ في كل ركعة من الصلاة [7] . وقوله (- صلى الله عليه وسلم -) : (لأعلمنك) اللام واقعة في جواب القسم. اعلّم: فعل مضارع مبني على الفتح في محل رفع لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وقد دلت اللام المفتوحة على القسم المحذوف تقديره (والله) .
ولذا أكد رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) كلامه بلام القسم ونون التوكيد الثقيلة، لأن المقسم عليه عظيم، وهكذا يتبين لنا عظم سورة الفاتحة. وجملة هي السبع المثاني والقرآن العظيم، توضح هذه السورة، ولأنها تجمع فصاحة المباني وبلاغة المعاني ولأن فوائدها تتجدد حالا بعد حال، وسميت بفاتحة الكتاب [8] ، وسميت بالقرآن العظيم في هذا الحديث، لأن الله أودع علوم الكتب السابقة في القرآن، ثم أودع علومه في الفاتحة، فمن علم تفسيرها كان كمن علم تفسيره [9] .
وكقوله (- صلى الله عليه وسلم -) : (( لتسوّنّ صفوفكم او ليخالفنّ الله بين وجوهكم ) ) [10] . يؤكد رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) لأصحابه بتسوية الصفوف في الصلاة على سمت واحد وسد الخلل، واللام دالة على القسم المقدر، أي: والله لتسون صفوفكم فان لم تسووا صفوفكم فسيخالف بين وجوهكم واختلاف الوجوه اما على حقيقتها، وهي تغيير الوجوه الى الوراء أو كناية عن العداوة والبغضاء واختلاف القلوب، لأن اختلاف البواطن تقتضي اختلاف الظواهر، ويؤيد ذلك حديث آخر لرسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) : (( فتختلف قلوبكم ... . ) ) [11] .
ب ـ جواب القسم المقدر (جملة اسمية) : يجاب القسم في الاثبات اذا كانت جملة جواب القسم اسمية باللام المفتوحة أو ان واللام أو ان وحدها مخففة أو مشددة [12] ، كقوله (- صلى الله عليه وسلم -) : (( لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة ) ) [13] .
(1) وينظر: الايضاح، للقزويني 2/ 341؛ فتح الباري 10/ 349.
(2) دليل الفالحين 3/ 198.
(3) سورة التحريم، الآية: 4.
(4) دليل الفالحين 3/ 197.
(5) ر 1009/ 330.
(6) ينظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 1/ 133.
(7) نزهة المتقين 2/ 13؛ وينظر: صفوة التفاسير، محمد علي الصابوني 1/ 18.
(8) ينظر: الإتقان في علوم القرآن 1/ 167.
(9) دليل الفالحين 6/ 180.
(10) ر 160/ 83.
(11) فتح الباري 2/ 173.
(12) همع الهوامع مع شرح جمع الجوامع، للسيوطي 2/ 41، وينظر: معاني النحو، لفاضل صالح
السامرائي 4/ 252.
(13) ر 15/ 25.