القرآن فعلموا من القرآن وعلموا من السنّة، ثم حدثنا عن رفع الأمانة فقال: (( ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل الوكت، ثم ينام النومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر المجل، كجمر دحرجته على رجلك، فنفط منتبرا وليس فيه شئ ) )، ثم أخذ حصاة فدحرجه على رجله (( فيصبح الناس يتبايعون، فلا يكاد أحد يؤدي الأمانة حتى يقال: ان في بني فلان رجلا أمينا، حتى يقال للرجل: ما أجلده ما أظرفه، ما أعقله، وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان. ولقد أتى عليّ زمان وما أبالي أيّكم بايعت؟ لئن كان مسلما ليردّنّه عليّ دينه ولئن كان نصرانيا أو يهوديا ليردّنّه عليّ ساعيه، وأما اليوم فما كنت أبايع منكم إلاّ فلانا وفلانا ) ) [1] .
ينقل لنا حذيفة بن اليمان كلام رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) بأنه حدّثهم حديثين فرأى أحدهما وهو ينتظر الآخر. تحدث عن الحديث الأول"بأن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم نزل القرآن فعلموا منه وعلموا من الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) ، ويقصد بالأمانة:"التكاليف الشرعية التي كلف الله بها عباده" [2] ، وهي مأخوذة من قوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [3] ."
وكما قال أبو السعود في تفسيره:"وعبّر عنها بالأمانة تنبيها على أنها حقوق مرعية أودعها الله تعالى المكلفين وأئتمنهم عليها وأوجب عليهم تلقيها بحسن الطاعة والإنقياد وأمرهم بمراعاتها والمحافظة عليها وإدائها من غير إخلال بشئ من حقوقها" [4] .
والجذر: أصل الشيء أي: أن التكاليف الشرعية كانت في قلوب هؤلاء الرجال بحسب الفطرة التي خلق الله المخلوقات عليها، كما قال (- صلى الله عليه وسلم -) : (( كل مولود يولد على الفطرة إما أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ) ) [5] .
ثم بعد ذلك حصلوا عليها مما تعلموها من القرآن الكريم والسنة النبوية فكانوا خير من حمل الامانة وأصدق الناس في المعاملة وأكثرهم اداءًا للحقوق إلى أصحابها. ثم تكلم عن الحديث الثاني من أن الأمانة سترفع شيئًا فشيئًا من قلوب الناس لسوء أفعالهم ودنس أعمالهم ودناءة أخلاقهم. وكلما زال منه شيء زال نوره وخلفته ظلمة في قلوبهم حتى لا يكاد يبقى من يتعامل بالأمانة فمرة بعد مرة تقبض الأمانة ويبقى أثرها يسيرًا كالسواد اليسير على جلد
(1) ر 200/ 98.
(2) نزهة المتقين 1/ 181؛ دليل الفالحين 2/ 303.
(3) سورة الأحزاب، الآية: 72.
(5) صحيح البخاري 2/ 118.