الإنسان ثم كالمجل وهو إنتفاخ الجلد بالماء من أثر الفأس وغيره وكالجمر يدحرجه الإنسان على رجله فيحرقه فينفط أي يخرج بها بثور ملأى بالماء نتيجة الحرق [1] ، حيث ذكر الفعل، لأن المقصود بالرجل: العضو [2] ، فأصبح هذا العضو المنتفخ مرتفعا كالمنبر في ارتفاعه. قال صاحب التحرير شرح مسلم:"إن الأمانة تزول عن القلوب شيئا فشيئا، فإذا زال أول جزء منها زال نوره وخلفه ظلمة كالوكت وهو إعراض لون مخالف للون الذي قبله، فإذا زال شيء آخر صار كالمجل وهو أثر محكم لا يكاد يزول إلاّ بعد مدة وهذه الظلمة فوق التي قبلها ثم شبّه زوال ذلك النور بعد وقوعه في القلب وخروجه بعد استقراره فيه واعتقاب الظلمة إياه بجمر يدحرجه على رجله حتى يؤثر فيها ثم يزول الجمر ويبقى النفط وأخذه الحصاة ودحرجته إياها أراد به زيادة البيان والإيضاح" [3] .
ثم أعقب كلامه بعد رفع الأمانة إن الناس سيتبايعون فلا يقرب أحد منها فكيف بأدائها؟ حتى يقال: إن في بني فلان رجلا أمينا لندرة من يؤديها وقلّة من يلتزم بها وإلى أن يقال: للرجل لعزة الأمانة ما أجلده، ما أظرفه، ما أعقله، لأنه إذا قلّ العلم اتخذ الناس رؤوسا جهالا، وإذا كثرت الخيانة وانتزعت الأمانة اعتقد الناس في المظاهر دون المخابر فما يظهره الناس بعد رفع الأمانة من الصبر على المكاره وبلاغة اللسان وذكاء القلب والإعتناء بالصور والالتزام بالأمانة كلها لا حقيقة لها، ولهذا يعده الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) من كان هذا حاله فلا يملك في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، لأن الأمانة شعبة منه وبزوال الأمانة يضعف الإيمان، فكلما أوغل الإنسان في المعاصي كلما وهى اليقين ودب الضعف فيه إلى أن ينتهي اعتقاده فيما يؤمن به.
ولقد مرّ عليه زمن ما كان يلقى بالًا لمن يبايع لأن الكثرة منهم كانوا يؤدون الأمانة، فإن كان مسلما ردها إليه دينه وان كان يهوديا أو نصرانيا ردها إليه ساعيه، وذلك لإستقرار الحق وثبات الناس على أداء الحقوق والتشبث بأحكام الشرع، فلما ولى ذلك الزمن انتشرت الخيانة وقلّت الأمانة وأخذ الناس يحيدون عن التكاليف ويتّبعون الأهواء والشهوات بدأ بتقليل المبايعة إلاّ مع من يثق بدينه ويلتزم أمر ربه.
في هذا الحديث الشريف أسلوب إنشائي غير طلبي عندما يتعجب الناس برجل يتظاهر بالحلم والصبر وطلاقة الوجه واللسان. فقد تعجب الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) واستعمل أفعالا ثلاثة وهي: (أجلد، أظرف، وأعقل) ، وهي أفعال ثلاثية تتوفر فيها الشروط الثمانية للفعل الذي يتعجب
(1) المعجم الوسيط 2/ 950.
(2) نهاية البداية والنهاية في الفتن والملاحم، لابن كثير 1/ 48.
(3) دليل الفالحين 2/ 305.