الابتداع وليس بين هذه المعاني وما ذهب إليه البلاغيون صلة لأن الإنشاء عندهم: كل كلام لا يحتمل الصدق والكذب لذاته لأنه ليس لمدلول لفظه قبل النطق به واقع خارجي يطابقه أو لا يطابقه وهذا ما ذكره القُدماء، فقال الشريف الجرجاني:"الإنشاء قد يقال على الكلام الذي ليس لنسبته خارج تطابقه أو لا تطابقه"، واعتمدوا على هذا المعنى حينما فصلوا بين الخبر والإنشاء، فقال القزويني: وجه الحصر أن الكلام إمّا خبر أو إنشاء لأنه إما أن يكون لنسبته خارج تطابقه أو لا تطابقه أو لا يكون لها خارج. أما الأول هو الخبر، والثاني هو الإنشاء" [1] ."
فالخبر ما احتمل الصدق والكذب، والإنشاء ما لا يحتمل صدقًا ولا كذبًا، فهو يتوقف تحققه على تلفظ المتكلم به فحينما نقول للطالب مثلًا:"اقرأ موضوع التشبيه"فإن تحقق هذا الشيء يتوقف على تلفظنا به [2] .
الإنشاء: ينقسم الإنشاء إلى نوعين وهما:
1 ـ الإنشاء الطلبي:
هو الذي يستدعي مطلوبًا غير حاصل في اعتقاد المتكلم وقت
الطلب، أو هو ما يستلزم مطلوبًا ليس حاصلًا وقت الطلب [3] ، وأنواعه هي:
1/ الأمر: وهو طلب حصول الفعل من المخاطب على وجه الإستعلاء والإلزام، ويكون بصيغ مختلفة [4] ، وهي:
أـ بفعل الأمر، مثل قوله تعالى: {وَاصْنَعْ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِناَ وَوَحْيِنَا} [5] ، ومثل قوله تعالى: {خُذوا حِذرَكُم} [6] .
ب ـ بالمضارع المجزوم بلام الأمر، كقوله تعالى: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ} [7] .
(1) معجم المصطلحات البلاغية وتطورها، د. أحمد مطلوب 1/ 332. وهذه وجهة نظر الدكتور أحمد
مطلوب، ويبدو أن هناك علاقة بين المعنيين اللغوي والإصطلاح لكلمة إنشاء.
(2) البلاغة فنونها وأفنانها ـ علم المعاني ـ، د. فضل حسن عباس / 61.
(3) جواهر البلاغة / 76؛ وينظر: أساليب بلاغية، د. أحمد مطلوب / 107.
(4) ينظر: البلاغة فنونها وأفنانها ـ علم المعاني ـ / 81.
(5) سورة هود، الآية: 37.
(6) سورة النساء، الآية: 71.
(7) سورة الطلاق، الآية: 7.