تقرر فيه من نسخ اللاحق للسابق، ومصطلح التعارض، وما هو معتمد عند الأصوليين فيه عند تعارض دلالات النصوص من إعمال المتأخر منهما نزولا.
و هذا مما يؤكد أن الاصطلاح الأصولي النقلي ليس تعبديا في ألفاظه، وإنما هو تعبدي في دلالته ومعناه، وهو ما يفسر عدم تجاوز الحرص النبوي في خطبة التولية وابتعاث معاذ على أسس النظر الاجتهادي، رغم اشتماله على كثير من المصطلحات الأصولية.
و قد كان أول ظهور مستقل لتلك المدارك الاجتهادية - وما يصحبها من المصطلحات الأصولية - في عصر الخلافة الراشدة، والتي كان فيها أول قياس، وتلاه أول إجماع عليه، وإنما كان القياس في صحة خلافة أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعد وفاته - أميرا على المؤمنين - على ثبوت خلافته رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الصلاة بالمسلمين في حياته، وفيه قالوا:
لقد رضيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لديننا، أفلا نرضاه لدنيانا، ثم كان الإجماع عليه.
و من نظر في هذا الظهور الاجتهادي الأول بعد وفاة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أدرك استقرار المفهوم القياسي عند الصحابة رضي اللّه عنهم، وإن لم يصرحوا بذلك لفظا أو اصطلاحا، وإنما استفادوا ذلك من الأقيسة التي أجراها النبي صلى اللّه عليه وسلم أمامهم،