الصواب، كما أن المناظرة كذلك إلا أن المناظرة قد تكون مع نفسه دون المجادلة فإنها لا تكون إلا مع الغير، والمناكرة لا تكون إلا مع نفسه من غير تلفظٍ، والمشاغبة هي المنازعة في المسألة لا لإظهار الصواب ولا لإلزام الخصم، والمخالطة لإلزام الخصم لا لإظهار الصواب.
وترك كل ما أحدثه المحدثون. ولما كان كل خيرٍ في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف قال:"و"يجب على المكلف"ترك"فعل"كل ما أحدثه المحدثون"من الابتداعات المخالفة لما كان عليه السلف الصالح لقوله صلى الله عليه وسلم:"من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد"1.
وقال عليه الصلاة والسلام أيضًا:"إياكم ومحدثات الأمور"2 وهي ابتداعات الخلف السيئ الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لم يمت حتى مهد الدين وأسس قواعده وأوضح كل ما يحتاج إليه ثم أحال بعده على أصحابه فقال:"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي"الحديث، فكل ما كان في كتابٍ أو سنةٍ أو أجمع عليه أو استند إلى قياسٍ أو إلى عمل أحدٍ من الصحابة فهو دين الله، وما خالف ذلك فبدعة وضلالة فلا يجوز العمل به، وبهذا لا معارضة بين ما هنا وبين ما يأتي في الأقضية يحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور فإنه جعلها من الشرع ولم يجعلها ضلالةً؛ لأن ما يأتي محمول على ما استند إلى كتابٍ أو سنةٍ أو إجماعٍ أو قياسٍ، وما هنا محمول على ما لم يستند إلى واحدٍ منها، ومحصل الجواب بإيضاح أن ما يأتي محمول على ما تقتضيه قواعد الشرع ولو وجد سببه في زمنه صلى الله عليه وسلم لفعله، والبدعة3 التي هي في ضلالةٍ ما ليست كذلك واختلف في معناها فقيل
ـــــــ
1 صحيح: أخرجه البخاري كتاب الصلح باب: إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود حديث 2697, ومسلم كتاب الأقضية باب: نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور حديث 1718, وأبو داود حديث 4606, وابن ماجه حديث 14 وأحمد 6/240 حديث 26075.
2 أخرجه المروزي في السنة 268, حديث 69.
3 البدعة لغة: من بدع الشيء يبدعه بدعا وابتدعه: إذا أنشأه وبدأه والبدع: الشيء الذي يكون أولا ومنه قوله تعالى: {قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف: 9] أي ليست بأول رسول بعث إلى الناس بل قد جاءت الرسل من قبل فما أنا بالأمر الذي لا نظير له حتى تستنكروني والبدعة: الحدث وما ابتدع في الدين بعد الإكمال.
وفي لسان العرب: المبتدع الذي يأتي أمرا على شبه لم يكن بل ابتدأه هو وأبدع وابتدع وتبدع: أتى ببدعة ومنه قوله تعالى: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ} [الحديد: 27] وبدعة: نسبة إلى البدعة والبديع: المحدث العجيب وأبدعت الشيء: اخترعته لا على مثال والبديع من أسماء الله تعالى ومعناه: المبدع لإبداعه الأشياء وإحداثه إياها.
أما في الاصطلاح: فقد تعددت تعريفات البدعة وتنوعت لاختلاف أنظار العلماء في مفهومها