فهرس الكتاب

الصفحة 871 من 1223

"باب في"أحكام"الجهاد"1

وهو لغة: التعب والمشقة لأخذه من الجهد بفتح الجيم، وشرعا قال ابن عرفة: قتال مسلم

ـــــــ

1 الجهاد مصدر جاهد، وهو من الجهد - بفتح الجيم وضمها - أي الطاقة والمشقة، وقيل: الجهد - بفتح الجيم - هو المشقة، وبالضم الطاقة. والجهاد القتال مع العدو كالمجاهدة، قال تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [الحج: 78] . وفي الحديث الشريف:"لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية". يقال: جاهد العدو مجاهدة وجهادًا إذا قاتله.

وحقيقة الجهاد كما قال الراغب: المبالغة واستفراغ الوسع في مدافعة العدو باليد أو اللسان. أو ما أطاق من شيء.

وهو ثلاثة أضرب: مجاهدة العدو الظاهر، والشطان، والنفس. وتدخل الثلاثة في قوله تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [الحج: 78] .

وقال ابن تيمية: الجهاد إما ان يكون بالقلب كالعزم عليه، أو بالدعوة على الإسلام وشرائعه، أو بإقامة الحجة على المبطل، أو ببيان الحق وإزالة الشبهة، أو بالرأي والتدبير فيما فيه نفع المسلمين، أو بالقتال بنفسه. فيجب الجهاد بغاية ما يمكنه.

قال البهوتي: ومنه هجو الكفار. كما كان حسان رضي الله عنه يهجو أعداء النبي صلى الله عليه وسلم.

والجهاد اصطلاحا: قتال مسلم كافر غير ذي عهد بعد دعوته للإسلام وإبائه، إعلاء لكلمة الله.

والجهاد مشروع بالإجماع، لقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ} [البقرة: 216] إلى غير ذلك من الآيات، ولفعله صلى الله عليه وسلم وأمره به، ولقوله:"من مات ولم يغز، ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من نفاق".

وقد كان الجهاد في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة غير مأذون فيه؛ لأنه الذي أمر به صلى الله عليه وسلم أول الأمر هو التبليغ والإنذار، والصبر على أذى الكفار، والصفح والإعراض عن المشركين، وبدأ الأمر بالعدوة سرًا ثم جهرًا. قال الله تعالى: {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} [الحجر: 85] وقال أيضا: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125] وقال أيضًا: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} [الحجر: 94] ثم أذن الله بعد ذلك للمسلمين في القتال إذا ابتدأهم الكفار بالقتال، وكان ذلك في السنة الثانية من الهجرة. وذلك في قوله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} [الحج: 39] . ثم شرع الله الثانية بالقتال على الإطلاق بقوله تعالى: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} [التوبة: 41] وقوله {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً} [التوبة: 36] وتسمى هذه آية السيف، وقيل: هي قوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة: 5] . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم من ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله".

والفقهاء على انه ينبغي ألا يترك الجهاد كل سنة مرة على الأقل. ومعنى ذلك أن يوجه الإمام كل سنة طائفة، ويزج بنفسه معها أو يخرج بدله من يثق به؛ ليدعو الكفار للإسلام ويرغبهم فيه، ثم يقاتلهم إذا أبوا؛ لأن في تعطيله أكثر من سنة ما يطمع العدو في المسلمين. فإن دعت الحاجة في السنة إلى أكثر من مرة وجب؛ لأنه فرض على الكفاية فوجب منه ما دعت الحاجة إليه، فإن دعت الحاجة على تأخيره لضعف المسلمين، أو قلة ما يحتاج إليه في قتالهم من العدة أو المدد الذي يستعين به، أو يكون الطريق إليهم فيها مانع، أو ليس هنا مؤن، أو للطمع في إسلامهم ونحو ذلك من الأعذار، جاز تأخيره؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صالح قريشًا عشر سنين، وأخر قتالهم حتى نقضوا الهدنة، وأخر قتال غيرهم من القبائل بغير هدنة؛ ولأنه إذا كان يرجى من النفع بتأهخيره أكثر مما يرجى من النفع بتقديمه وجب تأخيره. فإذا لم يوجد ما يدعو على الجهاد فإنه يستحب الإكثرا منه. الموسوعة"16/124، 125".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت