"باب في": بيان"زكاة الماشية"
وقدر النصاب وهي في اصطلاح الفقهاء لا تطلق إلا على الإبل والبقر والغنم وهي التي تجب فيها الزكاة، فلا تجب في خيل وبغال وحمير، وإنما وجبت فيها دون غيرها لوجود كمال النماء فيها من لبن وصف ونسل وغير ذلك من أنواع الانتفاع، بخلاف غيرها من بقية أنواع الحيوان، وكرر بيان الحكم بقوله:"وزكاة": مبتدأ أي تزكية"الإبل والبقر والغنم"وهي المرادة بالماشية وخبر المبتدأ"فريضة": بالكتاب والسنة والإجماع كما قدمنا، ولا فرق عند مالك بين المعلوفة والسائمة ولا بين العاملة والمهملة، خلافا لأبي حنيفة والشافعي رضي الله عن الجميع، دليلنا عموم منطوق قوله عليه الصلاة والسلام:"في أربعين شاة شاة وفي أربع وعشرين من الإبل فدونها الغنم في كل خمس شاة"1 وهو مقدم على مفهوم قوله عليه الصلاة والسلام:"في سائمة الغنم الزكاة"2 قيام الإجماع على تقديم المنطوق على المفهوم في باب الاحتجاج، والجواب على تقدير حجية المفهوم أن التقييد بالسائمة خرج مخرج الغالب لا للاحتراز؛ لأن الغالب في الأنعام في أرض الحجاز السوم والتقييد إذا كان بالنظر للغالب لا يكون حجة بالإجماع.
وبدأ الكلام على بيان فروض أنصبة الإبل اقتداء بالحديث إذ فعل ذلك صلى الله عليه وسلم في كتاب الصدقة المكتوب لعمرو بن حزم، وفروض زكاتها إحدى عشر فريضة: أربعة منها المأخوذ فيها من غير جنسها ويسمى المزكى بها شنقا بفتح الشين المعجمة وبالنون، وسبعة الزكاة فيها من جنسها، وبدأ بالأولى وهي الأربعة بقوله:"ولا زكاة في الإبل في أقل من خمس ذود": الرواية المشهورة المعروفة عند الجمهور إضافة خمس إلى ذود فهو من إضافة العدد إلى المعدود كقولهم: خمسة أبعرة وخمس جمال نوق، وروي بتنوين خمس وذود بدل منه، والذود بدال معجمة ودال مهملة.
قال الأصمعي: الذود من ثلاث إلى عشرة. قال سيبويه: تقول ثلاث ذود بحذف التاء من ثلاثة؛ لأن الذود مؤنث ولا مفرد له من لفظه كرهط وقوم على المشهور، والدليل على ما ذكر
ـــــــ
1 صحيح: أخرجه أبو داود، كتاب الزكاة، باب زكاة السائمة، حديث"1568"والترمذي، حديث"621"سنن ابن ماجه، حديث"1805"وأحمد"3/35"حديث"11325"وانظر: الإرواء 6/101"."
2 صحيح"بمعناه": أخرجه بمعناه البخاري، كتاب الزكاة، باب زكاة الغنم، حديث"1454"وأبو داود، حديث"1567"، والنسائي، حديث"2447"، وأحمد"1/11"حديث"72".