وحقيقة الأذان بالمعنى المصدري ويرادفه الأذين والتأذين بالمعجمة لغةً الإعلام بأي شيءٍ لقوله تعالى: {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [التوبة: 3] أي إعلام {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ} [الحج: 27] أي أعلم وشرعًا الإعلام بدخول وقت الصلاة بألفاظٍ مخصوصةٍ دل على مشروعيته الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ} [الجمعة: 9] وأما السنة فما في الحديث عن أبي داود بإسنادٍ صحيحٍ عن عبد الله بن زيد بن عبد ربه قال:"لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالناقوس يعمل ليضرب به الناس لجمع الصلاة طاف بي وأنا نائم رجل حامل ناقوسًا في يده فقلت: يا عبد الله أتبيع هذا الناقوس؟ فقال: وما تصنع به؟ فقلت: ندعو به إلى الصلاة، فقال: أو لا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت: بلى، فقال تقول: الله أكبر إلى آخر الأذان، ثم استأخر عني غير بعيدٍ ثم قال: وتقول إذا قمت إلى الصلاة: الله أكبر إلى آخر الإقامة، فلما أصبحت أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما رأيت فقال:"إنها رؤيا حق إن شاء الله تعالى قم مع بلالٍ فألق عليه ما رأيت فإنه أندى منك صوتًا"، فقمت مع بلالٍ فجعلت ألقي عليه فيؤذن به، فسمع ذلك عمر بن الخطاب وهو في بيته فخرج يجر رداءه قائلًا: والذي بعثك بالحق نبيا يا رسول الله لقد رأيت مثل ما رأى، فقال صلى الله عليه وسلم:"فلله الحمد"1 ويروى أنه تابع عمر في الرؤيا من الصحابة بضعة عشر رجلًا، ولا يرد على ذلك أن الأحكام لا تثبت بالرؤيا لأنا نقول: ليس مستند الأذان الرؤيا وإنما وافقها نزول الوحي فالحكم ثبت به لا بها."
فقد روى الترمذي:"أن النبي صلى الله عليه وسلم أري الأذان ليلة الإسراء وأسمعه مشاهدةً فوق سبع سمواتٍ ثم قدمه جبريل فأم أهل السماء وفيهم آدم ونوح عليهم الصلاة والسلام فأكمل له الشرف على أهل السماء والأرض"2 وأقول: يشكل على ما روى الترمذي ما روي من حديث أبي داود المتقدم من اهتمامه صلى الله عليه وسلم بما يجمع به الناس إلى الصلاة حتى قيل له: تنصب رايةً فإذا رأوها أعلم بعضهم بعضًا فلم يعجبه فذكروا له البوق فلم يعجبه وقال: هو من فعل اليهود، فذكروا له الناقوس فقال: هو من أمر النصارى، فإن الاهتمام يقتضي أنه لم يسمعه ولم يعلم به ليلة الإسراء، إذ لو علمه في السماء لأمر بفعله من غير طلب غيره، ولذلك أجاب بعض: بأن
ـــــــ
1 حسن: أخرجه أبو داود كتاب الصلاة باب: كيف الأذان حديث 499 وحسنه الألباني الإرواء 1/265.
2 لم أقف عليه.