اجتهاده صلى الله عليه وسلم أداه إلى ذلك على اختلافٍ عند الأصوليين في حكمه باجتهاده، وفي هذا الجواب إشكال، إذ كيف يجتهد فيما يدعو به إلى الصلاة مع معرفة الأذان ويمكن على بعدٍ أن يكون سمعه ولم يكن على صفة الإتيان به أو محله أو أن الحديث غير متفقٍ عليه؟ وأما الإجماع فلقول القرافي: أجمعت الأمة على مشروعية الأذان فقد ورد في فضله أحاديث صحيحة، فمما ورد ما في الصحيحين من قوله صلى الله عليه وسلم:"إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان له ضراط حتى لا يسمع التأذين"1 وله فوائد كثيرة منها: الإعلان بدخول وقت الصلاة وهو المقصود منه الموجب لمشروعيته، ومن فوائده الإعلام بأن الدار دار الإسلام ويؤنس الجيران ويستجاب عنده الدعاء، وذكر الجلال السيوطي في الخصائص الصغرى أن الأذان الشرعي من خصائص هذه الأمة، وشرع في السنة الأولى من الهجرة.
وحقيقة الإقامة شرعًا هي ألفاظ مخصوصة تذكر على وجهٍ مخصوصٍ عند الشروع في الصلاة المفروضة ذات الركوع والسجود وستأتي ألفاظها، وقولنا على وجهٍ مخصوصٍ أي من كونها مفردة الألفاظ سوى التكبير، وجرى خلاف في أفضليتها على الأذان، فمن الشيوخ من فضلها لاتصالها بالصلاة وبطلانها على قولٍ بتركها عمدًا، ومنهم من فضل الأذان لوجوبه في المصر على القول المختار، وفضل بعض الشيوخ الإمامة عليهما لما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون واظبوا على الإمامة، وقال عليه الصلاة والسلام:"ليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم"2 وجرى خلاف أيضًا في أذانه والمعتمد أيضًا أنه صلى الله عليه وسلم أذن مرةً في سفره وهو راكب وقال: أشهد أن محمدًا رسول الله، وأما في تشهده في الصلاة فكان مرةً يقول: أشهد أني رسول الله ومرةً أشهد أني محمد رسول الله، كما قاله ابن حجرٍ الشافعي في شرح المنهاج.
ثم شرع في بيان حكم الأذان بقوله:"والأذان واجب"وجوب السنن"في"حق أهل"المساجد"سواء كانت جامعةً أم لا.
"و"كذلك يجب وجوب السنن في حق"الجماعات الراتبة"في محل ولو لم يكن مسجدًا حيث كانوا يطلبون غيرهم، بل كل جماعةٍ تطلب غيرها ولو لم تكن راتبةً، ولذلك قال خليل:
ـــــــ
1 صحيح: أخرجه البخاري كتاب الجمعة باب يفكر الرجل الشيء في الصلاة حديث 1222, ومسلم كتاب الصلاة باب: فضل الأذان وهرب الشيطان عن سماعه حديث 389.
2 صحيح: أخرجه البخاري كتاب الأدب باب: رحمة الناس والبهائم حديث 6008 ومسلم كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب: من أحق بالإمامة حديث 674.