سن الأذان لجماعةٍ تطلب غيرها في فرضٍ وقتي، وأما فعل الأذان في الأمصار فهو واجب وجوب الفرائض الكفائية ويقاتلون على تركه. والحاصل أن الأذان تعتريه أحكام خمسة سوى الإباحة: الوجوب كفايةً في المصر، والسنية كفايةً في كل مسجدٍ وجماعةٍ تطلب غيرها، والاستحباب لمن كان في فلاةٍ من الأرض سواء كان واحدًا أو جماعةً لم تطلب غيرها، وحرام قبل دخول الوقت، ومكروه للسنن وللجماعة التي لم تطلب غيرها ولم تكن في فلاةٍ من الأرض، كما يكره للفائتة وفي الوقت الضروري ولفرض الكفاية.
وإذا توقفت مشروعيته على أجرةٍ كانت على من له عقار في البلد سواء كان ساكنًا به أو لا، بخلاف أجرة مؤدب الأطفال فإنها تكون على من له ولد، ويجوز أخذ الأجرة عليه وحده أو مع الصلاة.
قال خليل عاطفًا على الجائز: وأجرة عليه أو مع صلاةٍ وكره عليها، وإنما يكره أخذ الأجرة على الصلاة وحدها إذا كانت من المصلين لا من بيت المال أو من وقف المسجد فلا كراهة، لأن المأخوذ من بيت المال أو الأحباس من باب الإعانة لا الإجارة والله أعلم.
ثم ذكر مفهوم الجماعة بقوله:"فأما الرجل في خاصة نفسه"يكون في فلاةٍ من الأرض"فإن أذن فحسن"أي مندوب أذانه، ومثله الجماعة التي لا تطلب غيرها حيث كانت في فلاةٍ من الأرض ولو لم تكن في زمن سفرٍ، وأما قول خليلٍ: وأذان فذ إن سافر فهو غير معتبر المفهوم، وأما إن لم يكن الفذ أو الجماعة في فلاةٍ من الأرض فيكره لهم الأذان، والدليل على ما قاله المصنف ما صح أن أبا سعيدٍ سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن إنس ولا جن ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة"1 قال أبو سعيدٍ الخدري: سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال عليه الصلاة والسلام أيضًا:"من صلى بمكانٍ قفرٍ بعد أذانٍ صلى وراءه أمثال الجبال"2 أي من الملائكة، وصلاة البرية بسبعين صلاةٍ لما تضمنته من إحياء الذكر في ذلك المحل.
ولما كان الإقامة تطلب حتى من المنفرد قال:"ولا بد له"أي للرجل في خاصة نفسه"من الإقامة"على جهة السنية. قال خليل: وتسن إقامة مفردة وهي آكد من الأذان كما قدمنا، ولا بد من اتصالها بالصلاة فإن تراخى بالإحرام أعادها ولا تسن إلا لفرضٍ ولو فائتًا، واعلم أنها سنة
ـــــــ
1 صحيح: أخرجه البخاري كتاب الأذان باب: رفع الصوت بالنداء حديث 609 والنسائي حديث 644.
2 أخرجه مالك في الموطأ 1/74 حديث 160.