"باب في بيان صفة الوضوء"وهو طهارة مائية تتعلق بأعضاءٍ مخصوصةٍ على وجهٍ مخصوصٍ بنيةٍ."و"بيان"مسنونه"وهو ما يطلب طلبًا غير جازمٍ فيشمل المندوب"و"بيان"مفروضه"وهو ما يطلب طلبًا جازمًا.
فإن قيل: الوضوء مشتمل على مسنونه ومفروضه فكيف عطفهما عليه؟ فالجواب أنه من باب عطف المفصل على المجمل لزيادة البيان هكذا قرر بعض الشراح، وأقول: هذا الجواب مبني على أن مسنونه ومفروضه معطوفان على لفظ الوضوء، والذي يظهر من تمييزه السنة من الفريضة فيما يأتي بقوله: وغسل اليدين إلى الكوعين والمضمضة1
ـــــــ
1 المضمضة في اللغة: التحريك ومنه: مضمض النعاس في عينيه إذا تحركتا بالنعاس ثم اشتهر باستعمالها في وضع الماء في الفم وتحريكه. قال الفيومي: هي تحريك الماء في الفم يقال: مضمضت الماء في فمي: إذا حركته بالإدارة فيه وتمضمضت في وضوئي: إذا حركت الماء في فمي.
واصطلاحا قال الدردير والنووي: أن يجعل الماء في فيه ويديره فيه ثم يمجه أي يطرحه.
وقال ابن عابدين: استيعاب الماء جميع الفم ثم مجه.
وعرفها ابن قدامة بأنها: إدارة الماء في الفم ويؤخذ من هذه التعاريف أن الفقهاء متفقون على أن المضمضة إدخال الماء إلى الفم واختلفوا في إدارة الماء في الفم ومجه.
ومذهب الجمهور عدم اشتراطهما والأفضل عندهم فعلهما ومذهب المالكية اشتراطهما وإلا فال يعتد بها.
واختلف الفقهاء في حكم المضمضة على ثلاثة أقوال: قال المالكية والشافعية وأحمد في رواية: إن المضمضة سنة في الوضوء والغسل وبه قال الحسن البصري والزهري والحكم وحماد وقتادة ويحيى الأنصاري والأوزاعي والليث لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6] فالوجه عند العرب: ما حصلت به المواجهة وداخل الفم ليس من الوجه ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"عشر من الفطرة"وذكر منها المضمضة والاستنشاق والفطرة سنة وذكرهما من الفطرة يدل على مخالفتهما لسائر الوضوء ولقوله صلى الله عليه وسلم للأعرابي:"توضأ كما أمرك الله"قال النووي: هذا الحديث من أحسن الأدلة لأن هذا الأعرابي صلى ثلاث مرات فلم يحسنها فعلم النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ أنه لا يعرف الصلاة التي تفعل بحضرة الناس وتشاهد أعمالها فعلمه واجباتها وواجبات الوضوء فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"توضأ كما أمرك الله"ولم يذكر له سنن الصلاة والوضوء لئلا يكثر عليه فلا يضبطها فلو كانت المضمضة واجبة لعلمه إياها فإنه مما يخفى لا سيما في حق هذا الرجل الذي خفيت عليه الصلاة التي تشاهد فكيف الوضوء الذي يخفى.
ويرى الحنفية وأحمد في رواية أخرى أن المضمضة واجبة في الغسل وسنة في الوضوء وبه قال سفيان الثوري لأن الواجب في باب الوضوء غسل الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس وداخل الفم ليس من جملتها أما ما سوى الوجه فظاهر وكذا الوجه لأنه اسم لما يواجه به الإنسان عادة والفم لا يواجه به بكل حال فلا يجب غسله.
وأما وجوب المضمضة في الغسل فلأن الواجب هناك تطهير البدن لقوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] أي طهروا أبدانكم فيجب غسل ما يمكن غسله من غير حرج ظاهرا كان أو باطنا ومما يؤكد وجوب المضمضة والاستنشاق قوله صلى الله عليه وسلم:"إن تحت كل شعرة جنابة فاغسلوا الشعر وأنقوا البشرة"وقالوا: في الأنف شعر وفي الفم بشرة.
وقال الحنابلة في المشهور وابن المبارك وابن أبي ليلى وإسحاق وعطاء: إن المضمضة والاستنشاق واجبة في الطهارتين أي الغسل والوضوء لما روت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"المضمضة والاستنشاق من الوضوء الذي لابد منه"ولأن كل من وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم مستقصيا ذكر انه تمضمض واستنشق ومداومته عليهما تدل على وجوبهما لأن فعله يصلح أن يكون بيانا وتفصيلا للوضوء المأمور به في كتاب الله أنظر الموسوعة الفقهية 38/13.