الصفحة 101 من 245

ووضع كل موضوع عند غيره إنما يتقوم من بعد ذلك الموضوع عن ذلك الغير ومن نصبه ذلك الموضوع بالقياس إلى ذلك الغير. فمقابلة المبصر للبصر تتقوم من بعد المبصر عن البصر ومن الجهة التي فيها المبصر بالإضافة إلى البصر. فأما إدراك بعد المبصر فقد تبين أنه معنى قد استقر في النفس. فأما جهة المبصر فإن الحاس يدركها من وضع البصر في حال الإبصار. وذلك أن ابصر إنما يدرك المبصر في مقابلته وعند محاذاة البصر للجهة التي فيها المبصر. والجهات يدركها الحس ويدركها التمييز، ويفرق الحس والتمييز بين الجهات وإن لم يكن فيها شيء من المبصرات. ويفرق التمييز بين الجهة المحاذية للبصر والقريبة منها، وتدرك القوة المميزة جميع الجهات بالتخيل والتمييز. فإذا كان البصر محاذيًا لجهة من الجهات وأدرك مبصرًا من المبصرات، ثم أعرض عن تلك الجهة وحاذى جهة غيرها، بطل إبصار ذلك المبصر. وإذا عاد إلى محاذاة تلك الجهة عاد إبصار جهة غيرها، بطل إبصار ذلك المبصر. وإذا عاد إلى محاذاة تلك الجهة عاد إبصار ذلك المبصر.

وإذا كان البصر يدرك المبصر عند محاذاته للجهة التي فيها المبصر، وكانت القوة المميزة تدرك الجهة المحاذية للبصر في حال إدراك ذلك المبصر، وكان البصر إذا عدل عن محاذاة تلك الجهة بطل إبصار ذلك المبصر، فالقوة المميزة تدرك أن المبصر إنما هو في الجهة المحاذية للبصر في حال إبصار ذلك المبصر. فمن محاذاة البصر للجهة التي فيها المبصر في حال الإبصار قد تعين للحاس وللقوة المميزة الجهة التي فيها المبصر.

وأيضًا فإنه قد تبين أن البصر متخصص بقبول الصور من سموت هذه الخطوط فقط. وقد تبين أيضًا أن الصور تمتد في جسم البصر على استقامة خطوط الشعاع. فإذا حصلت صورة المبصر في البصر فإن الحاس يحس بالصورة ويحس بالجزء من المبصر الذي فيه حصلت الصورة، ويحس بالسمت الذي فيه تمتد الصورة في جسم العضو الحاس، ومنه إدراك تلك الصورة، الذي هو سمت خطوط الشعاع الممتدة بين البصر وبين ذلك المبصر. وإذا أدرك البصر موضع الصورة من البصر وأدرك السمت الذي فيه امتدت الصورة، أدركت القوة المميزة الجهة التي فيها يمتد ذلك السمت. والجهة التي فيها المبصر.فمن إدراك الحاس للجزء من البصر الذي تحصل فيه صورة المبصر، ومن إدراكه للسمت الذي فيه تمتد الصورة ومنه ينفعل ابصر بالصورة، قد أدركت القوة المميزة السمت الذي فيه امتدت صورة المبصر على التحرير. وعلى هذه الصفة تتميز المبصرات بجهاتها، لأن المبصرات المتفرقة إنما تتميز للبصر من تمييزه للمواضع المتفرقة من سطح العضو الحاس الذي تحصل فيه صور المبصرات المتفرقة.

ولإدراك جهة المبصر على هذه الصفة نظير في المسموعات. فإن الحاس يدرك الصوت بحاسة السمع، ويدرك الجهة التي منها يرد الصوت، ويفرق بين الصوت الذي يرد من ميمنته وبين الصوت الذي يرد من ميسرته، ويفرق بين الصوت الذي يرد من أمامه وبين الصوت الذي يرد من ورائه. ويفرق بين جهات الأصوات تفريقًا ألطف من هذا التفريق، ويفرق بين الجهات المتقاربة التي ترد منها الأصوات، فيفرق بين الصوت الذي يرد من الجهة المواجهة له وبين الصوت الذي يرد من الجهة المائلة عن سمت المواجهة. وليس يتميز للحاس الجهات التي منها ترد الأصوات بالقياس إلى السمع ليس تتميز إلا بهذه السموت. فحاسة السمع يدرك الأصوات ويدرك السموت التي ترد منها الأصوات. ومن إدراك السموت التي عليها ترد الأصوات إلى السمع وعى استقامتها يقرع الصوت السمع تدرك القوة المميزة الجهة التي منها ورد الصوت. فكما أن جهات الأصوات تدرك بحاسة السمع وتدركها القوة المميزة بتوسط السمع، كذلك جهات المبصرات تدركها القوة المميزة بحاسة البصر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت