الصفحة 65 من 245

فالمبصرات المتجاورة إذا كانت ألوانها أو أضواؤها متباينة تبيانًا مفرطًا في القوة والضعف فإن الضعيف منها تخفى حقيقته، فلا يدرك البصر حقيقته عند اقترانه بالقوي المباين. وذلك لأن كيفيات الأضواء والألوان إنما يدركها البصر من قياس بعضها ببعض، فالأضواء القوية إنما تعوق البصر عن إدراك المبصرات التي أضواؤها ضعيفة لامتزاج صور الأضواء الضعيفة بصورها واستظهار صور الأضواء القوية على صور الأضواء الضعيفة عند امتزاجها أو لمجاورة الأضواء الضعيفة لها، وإدراك البصر للصور المجاورة المتجانسة من قياس بعضها إلى بعض، وقصور الحس عن إدراك ما كان ضعيف النسبة جدًا إلى القوي المحسوس.

فقد أتينا على تبيين جميع المعاني التي تتعلق بهذا الفصل.

إن طبقات البصر التي ذكرناها ووصفناها في شرح هيئة البصر هي آلات للبصر بها يتم له الإبصار. وهيئة هذه الطبقات وأوضاع بعضها من بعض هو الذي به يتم وصول المبصرات إلى البصر.

أما الطبقة الأولى التي هي ظاهر البصر، وهي التي تسمى القرنية، فهي طبقة مشفة ومع ذلك متينة وهي منطبقة على الثقب الذي في مقدم العنبية. فأول منافعها أنها تغطي ثقب العنبية فتنضبط بذلك الرطوبة البيضية التي في داخل العنبية فتنحصر ولا تتشتت. فأما شفيفها فإنها إنما كانت مشفة لتنفذ فيها صور الأضواء والألوان إلى داخل البصر، لأن صور الأضواء والألوان ليس تنفذ إلا في الأجسام المشفة، ولا تقبلها وتؤديها إلا الأجسام المشفة. وأما متانتها فلئلا يسرع إليها الفساد لأنها منكشفة للهواء، فهي تحتمي بمتانتها من المؤذيات اللطيفة كالقذى والغبار والدخان وكالطرفة وما يجري مجرى ذلك. فهذه هي منافع هذه الطبقة.

فأما الرطوبة البيضية فهي مشفة ومع ذلك رطبة مائعة. أما شفيفها فلتنفذ فيها الصور وتصل إلى الرطوبة الجليدية التي بها يقع الإحساس. وأما رطوبتها فلترطب أبدًا الرطوبة الجليدية وتحفظ عليها صورتها، لأن هذه الرطوبة اعني الجليدية، ترفة في الغاية، والغشاء الذي عليها رقيق في الغاية، واليسير من اليبس يفسدها ويغير صورتها. وكانت الرطوبة البيضية رطبة مائعة لترطب أبدًا الجليدية وتحفظ عليها رطوبتها.فأما الطبقة السوداء المحيطة بالرطوبة البيضية، وهي التي تسمى العنبية، فهي سوداء وهي ضعيفة وفيها بعض المتانة. وهي كرية وفي مقدمها ثقب مستدير كما وصفنا ذلك في هيئة البصر. فأما سوادها فلتظلم به الرطوبة البيضية والرطوبة الجليدية، فتظهر فيها لظلمتها صور الألوان الضعيفة الخفية، فإن الأضواء الضعيفة جدًا إذا كانت في مواضع مظلمة ظهرت للبصر، وإذا كانت في مواضع مضيئة لم تظهر للبصر. فسواد العنبية إنما هو ليظلم به داخل البصر فتحس الجليدية بما يصل إلى تجويف البصر من صور الأضواء وإن كانت ضعيفة يسيرة. وكانت هذه الطبقة صفيقة وفيها بعض المتانة لتضبط الرطوبة البيضية وتحفظها فلا يرشح منها شيء إلى خارج ولا تناقص، وليظلم بصفاقتها داخلها، لأنها لو كانت صفيقة اشتدت ظلمة داخلها. وكونها كرية لأن الكرة اعدل الأشكال المجسمة وأحماها مع ذلك من التغيير، فإن ذا الزوايا يسرع التغير إلى زواياه، وليس يكون ذلك في الكرة. فأما الثقب الذي في مقدمها فلتنفذ فيه الصور إلى داخل تجويف البصر. وكونه مستديرًا لاعتدال الاستدارة، ولأن المستدير أوسع الأشكال التي إحاطتها متساوية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت