فكل مبصر من المبصرات إذا أدركه البصر فإنه في حال إدراكه قد أدركت القوة المميزة بعده وأدركت مقدار ما في حال إدراكه إما بالتيقن وإما بالحدس، ويحصل لبعده في الحال مقدار متخيل في النفس. فما كان بعده مسامتًا لأجسام مرتبة متصلة وكان بعده مع ذلك معتدلًا وكان يدرك تلك الأجسام المرتبة المسامتة لبعده ولحظ ابصر مع تلك الأجسام وكان قد تقدم علم القوة المميزة بها وتحقق مقدارها، فالمقدار الذي يدرك بحاسة البصر لبعد ذلك المبصر وحصلت صورته متخيلة في النفس هو مقدار محقق متيقن.
وما لم يكن بعده مسامتًا لأجسام مرتبة متصلة وكان يدرك تلك الأجسام وكان البعد مع ذلك متفاوتًا ولم يتحقق البصر مقادير تلك الأجسام، أو كان مسامتًا لأجسام مرتبة متصلة ولم يكن يدرك تلك الأجسام ولا يتحقق مقاديرها، أو كان البصر يمكن أن يدرك تلك الأجسام ولكن لم يلحظها في الحال ولم يعتبر مقدارها كانت أبعاد تلك المبصرات متفاوتة أو كانت معتدلة فالمقدار الذي يدرك بحاسة البصر لبعد المبصر الذي يأخذ هذه الصفات ويحصل متخيلًا في النفس هو مقدار غير محقق ولا متيقن.
والأبعاد التي بين المبصرات المتفرقة إنما تدرك من إدراك التفرق الذي بين المبصرات. وإدراك كميات الأبعاد التي بين المبصرات المتفرقة كمثل إدراك كميات أبعاد المبصرات عن البصر: منها ما يدرك إدراكًا متيقنًا ومنها ما يدرك بالحدس. وإذا أدرك البصر: مبصرين فهو يدرك البعد الذي بينهما ويتخيل مقدار البعد الذي بينهما على مقدار البعد الذي بينهما على مقدار ما. فالمبصران اللذان فيما بينهما أجسام مرتبة متصلة، والبصر يدرك تلك الأجسام ويتحقق مقاديرها، فالمقدار الذي تخيله البصر للبعد الذي بين ذينك المبصرين هو مقدار متحقق متيقن. والمبصرات اللذان ليس ينهما أجسام مرتبة متصلة، أو بينهما أجسام مرتبة متصلة وليس يتحقق البصر مقادير تلك الأجسام، أو ليس يدرك البصر تلك الأجسام، فالمقدار الذي يتخيله البصر للبعد الذي بين ذينك المبصرين هو مقدار غير محقق ولا متيقن. فعلى هذه الصفات يكون إدراك أبعاد المبصرات بحاسة البصر.
وأيضًا فإن المبصرات المألوفة التي على الأبعاد المألوفة التي يدركها البصر دائمًا وعلى الاستمرار ويدرك أبعادها، فإنه يدرك الأجسام المسامتة لأبعادها ويتيقن مقادير أبعادها لكثرة تكررها على البصر، وكثرة تكرار أبعادها على البصر قد صار البصر يدرك مقادير أبعادها بالمعرفة. وذلك أن البصر إذا أدرك مبصرًا من المبصرات المألوفة وكان على بعد من الأبعاد المألوفة عرفه وعرف بعده وحدس على كمية بعده. وإذا حدس على كمية بعد ما هذه صفته من المبصرات فليس يكون بين حدسه وبين حقيقته كمية ذلك البعد تفاوت مسرف. فالمبصرات المألوفة التي على الأبعاد المألوفة يدرك البصر كميات أبعادها بالمعرفة من حدسه على كميات أبعادها. وإذا حدس على كميات أبعادها فليس يكون بين الحدس عليها وبين حقيقتها تفاوت كثير. واكثر أبعاد المبصرات يدرك على هذه الصفة.
فأما الوضع الذي يدركه البصر من المبصرات فهو ينقسم إلى ثلثة أنواع. أحدها وضع جملة المبصر عند البصر، أو وضع الجزء من أجزاء المبصر عند البصر، وهذا النوع هو المقابلة، والنوع الثاني هو وضع سطح المبصر المقابل للبصر عند البصر، وأوضاع سطوح المبصر المقابلة للبصر عند البصر إذا كان المبصر كثير السطوح وكان الذي يظهر منه عدة سطوح، وأوضاع نهايات سطوح المبصرات عند ابصر، وأوضاع الخطوط والمسافات التي بين كل نقطتين أو كل مبصرين يدركهما البصر معًا وتتخيل المسافة التي بينهما عند البصر. والنوع الثالث هو أوضاع أجزاء المبصر بعضها عند بعض، وأوضاع أجزاء سطح المبصر بعضها عند بعض، وأوضاع نهايات سطح المبصر بعضها عند بعض، وأوضاع أجزاء نهايات سطح المبصر بعضها عند بعض. وهذا النوع هو الترتيب، وكذلك أوضاع المبصرات المتفرقة بعضها عند بعض هي من جملة هذا النوع. فجميع الأوضاع التي يدركها البصر من المبصرات تنقسم إلى هذه الأنواع الثلثة.