الصفحة 99 من 245

فمن الاعتبار بهذه المعاني يتبين أن البصر ليس يدرك مقادير أبعاد المبصرات عنه إلا إذا كانت أبعادها مسامتة لأجسام مرتبة متصلة، وكان البصر يدرك تلك الأجسام ويدرك مقاديرها.

فأما أبعاد المبصرات المتفرقة بعضها من بعض فإن البصر يدركها من إدراك التفرق الذي بين المبصرات. فأما كمية أبعاد المبصرات. فأما كمية أبعاد المبصرات بعضها من بعض فإن أحوالها عند البصر كأحوال أبعاد المبصرات عن البصر. وذلك أن المبصرين المتفرقين إن كان بينهما أجسام مرتبة متصلة، وكان البصر يدرك تلك الأجسام ويدرك مقاديرها، فهو يدرك كمية البعد الذي بين ذينك المبصرين. وإن لم يكن بين المبصرين أجسام مرتبة متصلة فليس يدرك البصر كمية البعد الذي بين ذينك المبصرين على التحقيق. وكذلك إن كان بين المبصرين أجسام مرتبة متصلة، وكانت على بعد متفاوت، ولم يتحقق البصر مقادير تلك الأجسام، فليس يتحقق مقدار البعد الذي بين ذينك المبصرين.

فأبعاد المبصرات من البصر إنما تدرك بالتمييز من إدراك القوة المميزة لأن الإبصار الذي يحدث في البصر إنما يحدث لمعنى خارج ومن حصول هذا المعنى في النفس واستقراره على مر الزمان من حيث لم يحس باستقراره. وكميات أبعاد المبصرات ليس شيء منها يدرك بحاسة البصر إدراكًا محققًا إلا أبعاد المبصرات التي أبعادها مسامتة لأجسام متصلة وأبعادها مع ذلك معتدلة والبصر مع ذلك يدرك الأجسام المرتبة المسامتة لأبعادها ويتحقق مقادير تلك الأجسام. وما سوى ذلك من المبصرات فليس يتحقق البصر مقادير أبعادها. والتي ليس يتحقق البصر مقادير أبعادها منها ما تكون أبعادها مسامتة لأجسام مرتبة متصلة والبصر مع ذلك يدرك تلك الأجسام، وهي التي تكون أبعاد أطرافها متفاوتة. ومنها ما أبعادها مسامتة لأجسام مرتبة متصلة والبصر ليس يدرك تلك الأجسام كانت أبعادها متفاوتة أو كانت معتدلة. ومنها ما ليس يسامت أبعادها أجسامًا مرتبة متصلة، وهي المبصرات المرتفعة عن الأرض المتفاوتة البعد والتي ليس بالقرب منها جبل ولا جدار يسامت بعدها. وجميع المبصرات تنقسم إلى هذه الأقسام.

والمبصرات التي ليس يتحقق البصر مقادير أبعادها إذا أدركها البصر فإن القوة المميزة تحدس في حال إدراكها على مقادير أبعادها حدسًا، وتقيس أبعادها بأبعاد أمثالها من المبصرات التي أدركها البصر من قبل وتحقق مقادير أبعادها، وتعتمد في القياس على صورة المبصر فتقيس صورة المبصر بصور المبصرات الشبيهة به التي أدركها البصر من قبل وتحققت القوة المميزة مقادير أبعادها، فتقيس بعد المبصر الذي ليس تتحقق مقدار بعده بأبعاد المبصرات الشبيهة به التي أدركها البصر من قبل وتحققت القوة المميزة مقادير أبعادها. وإذا لم تتحقق القوة المميزة تخطيط صورة المبصر قاست مقدار جملة صورته بمقادير صور المبصرات المساوية لتلك الصور في المقدار التي قد تحققت مقادير أبعادها فتشبه بعد المبصر الذي ليس تتحقق مقدار بعده بأبعاد المبصرات المساوية لذلك المبصر في المقدار التي قد تحققت أبعادها. هذا هو غاية ما تقدر عليه القوة المميزة في التوصل إلى إدراك مقادير أبعاد المبصرات. فربما اتفق لها بهذا القياس أن تصيب في إدراك بعد ما هذه صفته من المبصرات، وربما وقع عليها الغلط. والذي تصيب فيه أيضًا ليس تتحقق أنها مصيبة فيه. وهذا الحدس يكون في غاية السرعة لكثرة اعتياد القوة المميزة لإدراك أبعاد المبصرات بالحدس والتيقن.

وقد تحدث القوة المميزة على مقدار بعد المبصر وإن كان بعده مسامتًا لأجسام مرتبة وكان من الأبعاد المعتدلة وكان يمكن للبصر أن يتحقق مقادير تلك الأجسام، وذلك لاعتياد القوة المميزة للحدس على أبعاد المبصرات ولسرعة حدسها. وإذا كان بعد المبصر من الأبعاد المعتدلة فليس يكون الحدس على بعده وبين حقيقة بعده تفاوت مسرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت