الصفحة 162 من 245

فأما إدراك عظم المبصر المائل المسرف الميل على ما هو عليه إذا كان على بعد معتدل مع تفوت ميله، فإن ذلك ليس يدركه البصر من صورته نفسها التي تحصل في البصر فقط بل من قياس خارج عن الصورة، وهو من إدراكه لاختلاف بعدي طرفيه مع إدراكه لمقدار الصورة. فإذا أدرك البصر اختلاف بعدي طرفي المبصر المائل المسرف الميل، وأدرك تفاوت اختلافهما، تخيلت القوة المميزة وضع ذلك المبصر، وأدركت مقداره بحسب اختلاف بعدي طرفيه وبحسب مقدار الجزء الذي تحصل فيه الصورة ومقدار الزاوية التي يوترها ذلك الجزء عند مركز البصر، لا من الصورة نفسها فقط. والقوة المميزة إذا أدركت اختلاف بعدي طرفي المبصر المائل المسرف الميل، وأدركت ميله أحست باجتماع الصورة، فهي تدرك مقداره إذا أحست مقدار ميله لا بحسب مقدار الصورة بل بحسب وضعه. والأجزاء الصغار والمعاني اللطيفة التي تكون في المبصر ليس يمكن أن تدرك بقياس إذا لم يحس البصر بتلك الأجزاء ولا بتلك المعاني.

فاشتباه صورة المبصر المائل المسرف الميل إنما هو اجتماع صورته في البصر وخفاء أجزائه الصغار. وبيان صورة المبصر الواحد إذا كان على بعد معتدل إنما هو لانتقاش الصورة في البصر على ما هي عليه وإحساس البصر بأجزائه الصغار.

فقد تبينت العلة التي من أجلها صارت صورة المبصر المائل المسرف الميل مشتبهة وصورة المبصر المواجه بينة.

وإذا قد تبينت جميع هذه المعاني فلنشرع الآن في الكلام على أغلاط البصر ونبين عللها ونقسم أنواعها.

العلل التي من أجلها يعرض للبصر الغلط قد تبين في المقالة الأولى أن البصر ليس يدرك شيئًا من المبصرات التي تكون معه في هواء واحد ويكون إدراكه لها على الاستقامة إلا بعد أن يجتمع للمبصر عدة معان وهي البعد والمقابلة والضوء وأن يكون حجمه مقتدرًا وأن يكون كثيفًا أو فيه بعض الكثافة وأن يكون الهواء المتوسط بينه وبين البصر مشفًا متصل الشفيف لا يتخلله شيء من الأجسام الكثيفة. فإذا اجتمعت للمبصر هذه المعاني وكان البصر إليه سليمًا من الآفات والعوائق التي تمنعه من إدراك المبصرات فإن البصر يدرك ذلك المبصر. وإن عدم البصر والمبصر واحدًا من هذه المعاني فليس يدرك المبصر الذي يعدم منه ذلك المعنى.

وقد تبين في المقالة الثانية أن البصر ليس يدرك شيئًا من المبصرات إلا في زمان. وإذا كان ذلك كذلك فالزمان أيضًا هو أحد المعاني التي بها يتم الإبصار. فالإبصار ليس يتم إلا باجتماع هذه المعاني.

وأيضًا فإن البصر إذا كانت به آفة أو عاقه عائق ولم يمنعه ذلك عن إدراك المبصر بالكلية، فليس يدرك المبصر إدراكًا محققًا ما دام معوقًا أو به آفة، وليس يدرك البصر المبصر إدراكًا محققًا إلا إذا كان سليمًا من الآفات والعوائق أو كان به ما لا يؤثر فيه كثير تأثير. وإذا كان ذلك كذلك فصحة البصر وسلامته هو أحد المعاني التي بها يتم إدراك المبصر على ما هو عليه.

وقد تبين في الفصل الذي قبل هذا الفصل أن المبصر إذا كان خارجًا عن سهم الشعاع وبعيدًا عنه، فإن البصر ليس يدركه إدراكًا محققًا، وإن كان على سمت المواجهة. وتبين أيضًا أن المبصر إذا كان مائلًا على خطوط الشعاع ميلًا متفاوتًا، فليس يدركه البصر إدراكًا محققًا، وإن كان سهم الشعاع ومقابلًا لوسط البصر. وإذا كان ذلك كذلك فليس يدرك البصر المبصر على ما هو عليه، وإن كان مقابلًا له، إلا إذا كان المبصر على وضع مخصوص، وهو أن يكون مواجهًا للبصر أو قريبًا من المواجهة وأن يكون مع ذلك على سهم الشعاع أو قريبًا منه.

فالمعاني التي بها يتم إدراك المبصر على ما هو عليه ثمينة وهي البعد والوضع المخصوص والضوء واقتدار الحجم والكثافة وشفيف الهواء والزمان وصحة البصر. فإذا اجتمعت للمبصر جميع المعاني التي ذكرناها أدرك المبصر إدراكًا محققًا، وإن عدم المبصر بعض هذه المعاني وأدركه البصر مع ذلك فليس يدركه إدراكًا محققًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت