الصفحة 70 من 245

فأما لم ليس يدرك البصر المبصر إلا إذا كان الجسم المتوسط بينه وبين البصر مشفًا فلأن الإبصار إنما يكون من الصورة التي ترد من المبصر إلى البصر، وليس تمتد الصورة إلا في الأجسام المشفة ولا تقبلها وتؤديها إلا الأجسام المشفة، وليس يتم الإبصار إلا إذا كان المبصر مع البصر في هواء واحد وكان إدراكه له لا بالانعكاس إلا إذا كان الهواء متصلًا بين البصر والمبصر ولم يقطع السموت المستقيمة التي بينهما جسم كثيف، لأن الصورة ليس تمتد في الهواء المشف المتشابه الشفيف إلا على خطوط مستقيمة. فلذلك صار البصر لا يدرك المبصر الذي هو معه في هواء واحد وفي الجهة المقابلة للبصر إلا إذا كان الهواء الذي بينهما مشفًا متشابه الشفيف متصلًا، ولم يقطع السموت المستقيمة التي بينه وبين البصر جسم كثيف.

وأما لم ليس يدرك البصر المبصر إلا إذا كان كثيفًا أو كان فيه بعض الكثافة فإن ذلك لعلتين: إحداهما أن الكثيف متلون واللون تكون منه الصورة التي ترد إلى البصر التي يدرك البصر منها لون المبصر، والمشف الذي في غاية الشفيف ليس له لون، فليس تكون منه صورة تنتهي إلى البصر، فلذلك لا يدركه البصر. والعلة الثانية أن البصر ليس يدرك المبصر إلا إذا كان مضيئًا وورد من الضوء الذي فيه صورة ثانية إلى البصر مع صورة اللون. والضوء الذي يشرق على جسم من الأجسام ليس تكون منه صورة ثانية إلا إذا ثبت الضوء في ذلك الجسم ومانعه الجسم من النفوذ فيه كان منه صورة ثانية. والجسم المشف إذا أشرق عليه الضوء وكان في غاية الشفيف فليس يثبت الضوء فيه ولا في موضع منه وإنما يمتد في شفيفه فقط. فإذا كان الجسم المشف مقابلًا للبصر، وأشرق عليه الضوء من الجهة التي فيها البصر، فهو يمتد فيه ولا يثبت في سطحه ولا في شيء منه، فلا يكون في السطح المواجه للبصر من ذلك الجسم ضوء تكون منه صورة ترجع إلى البصر. وكذلك إن أشرق الضوء على الجسم المشف الذي في غاية الشفيف من أي جهة أشرق عليه نفذ فيه، فلا يكون في سطحه ولا في موضع منه ضوء ثابت تكون منه صورة ثانية ترد إلى البصر. وإن كان المضيء الذي يشرق ضوؤه على الجسم المشف مقابلًا للبصر نفذ ضوؤه في الجسم المشف وانتهى إلى ابصر ولم يجمل معه شيئًا من لون الجسم المشف، ولا يدرك الجسم المشف. فإذا كان الجسم المشف في غاية الشفيف لم تثبت الصورة عليه ولم تكن منه صورة تمتد في الهواء وتصل إلى البصر لا صورة ضوء ولا صورة لون . فلذلك ليس يدرك البصر المبصر الذي يكون في غاية الشفيف. وإن كان شفيف الجسم المشف شبيهًا بشفيف الهواء فإن حاله تكون كحال الهواء فلا يدركه البصر كما ليس يدرك الهواء. فالأجسام المشفة التي شفيفها ليس بأغلظ من شفيف الهواء ليس يدركها البصر لأنه ليس يرد منها إلى البصر صورة تؤثر في البصر. وكذلك إن توسط ين البصر والمبصر المشف جسم مشف غير الهواء وكان شفيف المبصر ليس بأغلظ من شفيف الجسم المتوسط.

وإذا كان المبصر كثيفًا كان متلونًا، وإذا أشرق عليه ضوء أي ضوء كان ثبت في سطحه، وكان من لونه ومن الضوء الذي يشرق عليه صورة تمتد في الهواء وفي الأجسام المشفة، ويقبلها الهواء والأجسام المشفة وتؤديها إلى الجهات المقابلة لها، وإذا انتهت هذه الصورة إلى البصر أثرت في البصر وأحس البصر منها بالمبصر. وإذا كان المبصر مشفًا وشفيفه أغلظ من شفيف الهواء فإنه يكون له لون ما بحسب غلظه، وإذا أشرق عليه الضوء ثبت الضوء في سطحه ثبوتًا ما بحسب ما فيه من الغلظ مع نفوذه فيه بحسب شفيفه، وكان منه صورة في الهواء بحسب لونه وبحسب الضوء الذي يثبت في سطحه. وإذا وصلت تلك الصورة إلى ابص وأثرت في البصر وأحس البصر بذلك المبصر. فلهذه العلة صار البصر ليس يدرك شيئًا من المبصرات إلا إذا كان كثيفًا أو كان فيه بعض الكثافة.

فقد تبينت العلل التي من أجلها البصر ليس يدرك شيئًا من المبصرات إلا إذا اجتمعت فيه المعاني المذكورة. فهذه الفصول وما بيناه فيها هو الذي قصدنا لتبيينه في هذه المقالة.

تمت المقالة الأولى من كتاب الحسن بن الحسن في المناظر وكتب أحمد بن محمد بن جعفر يوم الأحد منتصف جمادى الأولى سنة ست وسبعين وأربعمائة وفيه انتهى النسخ والحمد لله وحده وصلواته على خير خلقه محمد النبي وآله وسلامه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت