الصفحة 227 من 245

وقد يعرض الغلط في الحسن والقبح أيضًا من أجل فرط الشفيف. وذلك أن الأواني المشفة كالبلور والزجاج إذا كانت أشكالها حسنة وكانت صافية الشفيف وكان في تضاعيفها مواضع متلونة بألوان غير مستحسنة كالعيوب التي تكون في البلور والزجاج، وكانت تلك المواضع تشين تلك الأواني وتقبحها، فإن البصر إذا أدرك الأواني التي بهذه الصفة وهي خالية فإنه يدرك شفيفها ويدرك المواضع التي تشينها، وإذا أدرك المواضع التي تشينها فهو يدرك صورتها مستقبحة. فإذا كان في تلك الأواني شراب قوي اللون، ومع ذلك حسن اللون، فإن تلك الأواني تظهر حسنة الصورة لحسن أشكالها وحسن الشراب الذي فيها ولا تظهر تلك المعاني التي تشينها، لأن لون الشراب الذي في داخلها يخفي تلك المواضع التي فيها. وإذا أدرك البصر الأواني التي بهذه الصفة، ولم يكن أدركها من قبل، فإنه يدركها حسنة الصورة ويحس بقبحها. وإذا أدرك البصر المبصر القبيح حسنًا فهو غالط في حسنه.

وعلى هذه الصفة بعينها يعرض الغلط في قبح المبصر من أجل الشفيف.

وذلك أن الأواني المشفة المحكمة الصنعة التي فيها نقو وتماثيل مستحسنة إذا كانت أشكال تلك الأواني مستقبحة، وكان فيها شراب قوي مظلم اللون أو شيء من الأجسام السيالة المتلونة بألوان غير مستحسنة، فإن البصر يدركها مستقبحة ولا يحس بشيء من محاسنها إذا كانت في غاية الشفيف. لأنها إذا كانت في غاية الشفيف لم تظهر النقوش التي فيها، أو لم تظهر على ما هي عليه وإذا كانت أشكالها مستقبحة والشراب الذي فيها مستقبح اللون فالبصر يدرك مقابحها ولا يدرك محاسنها.

وإذا أدرك البصر مقابح المبصر ولم يدرك محاسنه فهو يدركه مستقبحًا. وإذا أدرك البصر المبصر الذي بهذه الصفة مستقبحًا فهو غالط فيما يدركه من قبحه.

وعلى هذه الصفة بعينها يعرض الغلط في التشابه والاختلاف من أجل فرط الشفيف وذلك أن المبصرين إذا كانا مشفين، وكانا متشابهين في أشكالهما وفي شفيفهما، وكانت فيهما نقوش وخروش وتماثيل، وكانت النقوش التي في ذينك المبصرين مختلفة، وكان المبصران في غاية الشفيف، وكان فيهما شراب متشابه اللون، فإن البصر يدرك المبصرين اللذين بهذه الصفة متشابهين ولا يحس بشيء من اختلافهما ولا يحكم لهما بشيء من الاختلاف. وإذا أدرك البصر المبصرين المختلفين في معنى من المعاني متشابهين على الإطلاق، ولم يحس باختلافهما، فهو غالط في تشابههما.

وكذلك إذا كان المبصران اللذان بهذه الصفة مختلفين في المعاني الظاهرة ومتشابهين في النقوش والمعاني اللطيفة فإن البصر يدركهما مختلفين ولا يحس بتشابههما ويكون غالطًا في اختلافهما.

والغلط في الحسن وفي القبح وفي التشابه وفي الاختلاف هي أغلاط في القياس، لأن هذه المعاني تدرك بالقياس، ولأن هذه الأغلاط إنما هي لتعويل البصر على المعاني الظاهرة وسكونه إلى نتائجها. وعلة هذه الأغلاط هو فرط الشفيف، لأن المبصرات التي بهذه الصفة إذا كان شفيفها يسيرًا، وكان فيها كثافة، فإن البصر يدرك المعاني التي فيها ويدرك حسن الحسن منها وقبح القبيح وتشابه المتشابه واختلاف المختلف على ما هو عليه، ولا يعرض له غلط فيما يدركه منها، إذا كانت المعاني الباقية التي في هذه المبصرات التي بها يتم إدراك المبصرات على ما هي عليه في عرض الاعتدال.

فعلى هذه الصفات وأمثالها يكون غلط البصر في القياس من أجل خروج كثافة المبصر عن عرض الاعتدال.

البعد فأما كيف يكون غلط البصر في القياس من أجل خروج شفيف الهواء عن عرض الاعتدال فإن ذلك يكون في المبصرات التي يدركها البصر في الضباب أو القتام. وذلك يعرض عند غشيان الضباب للموضع وقبل أن يصل إلى موضع البصر، أو إذا كان القتام في موضع من الأرض والبصر خارج عن ذلك الموضع. وإدراك المبصرات في الضباب يعرض كثيرًا لسكان الجبال والمواضع الشديدة البرد، فإن الضباب يغشاهم كثيرًا في الشتاء، وقد يكون في السهول أيضًا وفي المواضع المعتدلة الهواء في بعض الأوقات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت