فتحديب سطح المبصر الذي يلي البصر وتقعيره واستواؤه إنما يدركه البصر من إدراكه لاختلاف أبعاد أجزاء السطح أو ارتفاعاتها أو عروضها وتساويها ومن مقادير تفاضل أبعاد الأجزاء أو ارتفاعاتها أو عروضها بعضها من بعض. وكذلك كل جزء من أجزاء سطح المبصر إنما يدرك البصر تحديبه وتقعيره واستواؤه من إدراكه لتفاضل أبعاد أجزاء ذلك الجزء أو تفاضل ارتفاعاتها أو عروضها وتساويها. ولهذه العلة ليس يدرك البصر التحديب والتقعير إلا من المبصرات التي أبعادها معتدلة والتي يتحقق مقادير أبعادها ومقادير تفاضل أبعادها أو مقادير تفاضل ارتفاعاتها أو عروضها. والبصر يستدل على قرب بعض أجزاء السطح وبعد بعضها بما يجاور السطح من الأجسام وما يسامت أبعاد الأجزاء من الأجسام وما يقرب منها من الأجسام التي يتحقق البصر قربها وبعدها. وإذا كان بعض أجزاء السطح شاخصة وبعضها غائرة، فإن البصر يستدل على شخوص الشاخص منها وغؤور الغائر منها بانعطافات سطوح الأجزاء وتقاطعها وانحنائها في مواضع الغؤور وبأوضاع سطوح الأجزاء بعضها عند بعض. هذا إذا لم يكن البصر أدرك ذلك السطح من قبل ولم يدرك شيئًا من جنسه. فأما إذا كان من المبصرات المألوفة فإن البصر يدرك هيئته وهيئة سطحه بتقدم المعرفة. فأما المبصر الذي يحيط به سطوح متقاطعة ومختلفة الوضع فإن البصر يدرك هيئته من إدراكه لتقاطع سطوحه ومن إدراكه لوضع كل واحد من سطوحه.
فهيئات أشكال المبصرات التي يدرك البصر تجسمها يكون إدراك البصر لها من إدراكه لهيئات سطوحها ومن إدراكه لأوضاع سطوحها بعضها عند بعض. فالمبصرات التي أجزاؤها مختلفة الوضع يدرك البصر هيئة سطوحها من إدراكه لتحديب المحدب من أجزاء سطوحها وتقعير المقعر واستواء المستوي منها وشخوص ما هو شاخص من أجزاء السطح وغؤور ما هو غائر منها. فعلى هذه الصفات يكون إدراك البصر لهيئات سطوح المبصرات وأشكالها. وإذا أراد الحاس أن يتحقق هيئة الجزء من أجزاء سطح المبصر فإنه يحرك البصر في مقابلته ويمر سهم الشعاع على جميع أجزاءه حتى يحس بأبعاد أجزائه ووضع كل واحد منها عند البصر وأوضاع الأجزاء بعضها عند بعض. فإذا أدرك الحاس أبعاد أجزاء سطح المبصر، وأدرك أوضاع أجزاء سطح المبصر، وأدرك الشاخص من الأجزاء والغائر والمتطامن، فقد أدرك هيئة سطح ذلك المبصر وتحقق شكله. فإن كان ما أدركه من مقادير أبعاد أجزاء سطح المبصرات إدراكًا محققًا كان ما أدركه من هيئة شكل المبصر إدراكًا محققًا، وإن كان ما أدركه من مقادير أبعاد أجزاء سطح المبصر إدراكًا غير محقق كان ما أدركه من هيئة شكل المبصر إدراكًا غير محقق. وكثيرًا ما يغلط البصر فيما يدركه من هيئات سطوح المبصرات وهيئات أشكال المبصرات ولا يحس بغلطه. وذلك أن التحديب اليسير والتقعير والغضون والجحوظ الذي يكون تفاضل أبعاد أجزائه عن البصر تفاضلًا يسيرًا فربما يدرك البصر تفاضلًا يسيرًا فربما لم يدرك البصر تفاضلها وإن كانت أبعادها معتدلة إذا لم تكن قريبة جدًا من البصر.
فالمبصرات التي يدرك البصر هيئتها وهيئات سطوحها هي التي يدرك البصر مقادير أجزاء سطوحها ويدرك تفاضل أبعاد أجزائها وتساوي أبعاد أجزائها. والتي يتحقق هيئاتها وهيئات سطوحها هي التي يتحقق مقادير أبعاد أجزاء سطوحها ويتحقق مقادير تفاضل أبعاد أجزائها. وكذلك أشكال محيطات سطوح المبصرات، وأشكال محيطات أجزاء سطوح المبصرات إنما يتحقق البصر أشكالها إذا كانت على أبعاد معتدلة ويحقق ترتيب نهاياتها وأوضاع أجزاء نهاياتها بعضها عند بعض ويحقق زواياها. وما ليس يتحقق أوضاع نهاياتها ويتحقق زواياها، إن كان فيها زوايا، فليس يتحقق أشكالها. فجميع أشكال المبصرات يدركها البصر على الصفات التي بيناها.