فأما غلط البصر في مجرد الحس من أجل خروج البصر نفسه عن عرض الاعتدال فكالبصر الذي ينظر إلى ضوء قوي ويطيل النظر إليه ثم يلتفت فينظر إلى جسم أبيض أو مسفر اللون، ويكون ذلك الجسم في ظل وضوء معتدل، فإن البصر يدرك لون ذلك الجسم مظلمًا. لأن البصر إذا أطال النظر إلى الضوء القوي أثر فيه الضوء العشا، فتحصل فيه ظلمة زمانًا ثم تنجلي تلك الظلمة، فإذا نظر البصر في حال تأثير الضوء فيه إلى مبصر أبيض أو مسفر اللون فإنه يجده مظلمًا. وإذا أدرك البصر المبصر الأبيض المسفر اللون مظلمًا فهو غالط في لونه، ويكون غلطه في مجرد الحس، ويكون علة هذا الغلط هو خروج البصر نفسه عن عرض الاعتدال. لأن البصر إذا كان سليمًا من الآفات ولم يعرض له عارض يغير صورته فإنه يدرك ألوان المبصرات على ما هي عليه إذا كانت المعاني الباقية التي في المبصرات التي بها يتم إدراك المبصرات على ما هي عليه في عرض الاعتدال. وكذلك أيضًا إذا عرض للبصر مرض فأظلم البصر فإنه يدرك ألوان المبصرات مظلمة كدرة على خلاف ما هي عليه، ويكون غالطًا في ألوانها، ويكون علة غلطه هو خروج نفسه عن عرض الاعتدال بالمرض العارض له. فعلى هذه الصفة وأمثالها يكون غلط البصر في مجرد الحس من أجل خروج البصر نفسه عن عرض الاعتدال.
فقد تبين من جميع ما شرحناه من الأمثلة كيف يكون غلط البصر في مجرد الحس بحسب كل واحد من العلل التي من أجلها يعرض للبصر الغلط.
قد تبين في المقالة الثانية إن إدراك مائيات جميع المبصرات إنما يكون بالمعرفة، لأن إدراك مائية المبصر إنما هو من تشبيه صورة المبصر بصورة أمثال ذلك المبصر التي يعرفها البصر. وتشبيه الصورة بما يعرفه البصر من أمثالها هو المعرفة بالنوع. وقد تبين أيضًا أن معرفة الشخص إنما هي من تشبيه صورة الشخص التي يدركها البصر في حال معرفة الشخص بصورته التي أدركها من قبل وهو ذاكر لها. وإذا كان ذلك كذلك فغلط البصر في مائية المبصر إنما هو غلط في المعرفة وهو غلط في نوعية المبصر. وكذلك أيضًا إذا شبه البصر شخصًا من الأشخاص بشخص قد عرفه من قبل وظنه ذلك الشخص بعينه، ولم يكن ذلك الشخص، يكون ذلك غلطًا في المعرفة. والغلط في تشبيه صورة الشخص بصورة شخص آخر بعينه هو غلط في الشخصية. وليس تكون المعرفة إلا بالشخص أو النوع أو بمجموعهما.
ومن عادة البصر إذا أدرك مبصرًا من المبصرات أنه في حال ملاحظته يشبه صورته بأمثالها من صور المبصرات التي يعرفها وتكثر مشاهدته لها، ويشبه المعاني التي في المبصر أيضًا بأمثالها من المعاني التي في المبصرات، فيعرف بذلك شخصية ذلك المبصر أو نوعيته أو مجموعهما ويعرف المعاني التي في ذلك المبصر. ومعرفة البصر بجميع ما يعرفه من المبصرات وبجميع ما يعرفه من المعاني المدركة بحاسة البصر إنما هو على هذه الصفة.
وإذا شك البصر في مائية المبصر أو في شيء من المعاني التي يدركها، ولم يعرفه في حال ملاحظته، فإنه يشبهه بأقرب الأشياء شبهًا به مما قد عرفه وألفه. والقوة الحساسة مطبوعة على تشبيه ما تدركه في الحال بما أدركته من قبل، وهذا المعنى موجود في جميع الحواس. ومن تشبيه البصر ما يدركه من المبصرات بما يعرفه من أمثاله، ومما هو مطبوع عليه من هذه الحال، يعرض له الغلط في معرفة المبصر الذي يغلط في معرفته إذا لم يكن إدراكه المبصر على غاية التحقيق. وإذا كان إدراك البصر للمبصر إدراكًا محققًا فليس يعرض له الغلط في معرفة المبصر. وليس يكون إدراك البصر للمبصر إدراكًا غير محقق إلا إذا كان واحد من المعاني التي بها يتم إدراك المبصر على ما هو عليه خارجًا عن عرض الاعتدال أو أكثر من واحد منها.