وبالجملة فإنه ليس يدرك البصر شيئًا من المبصرات إدراكًا محققًا على غاية التحقيق إلا بتأمل جميع المعاني التي في المبصر وتفقد جميع أجزاء المبصر وتمييز جميع المعاني التي في المبصر في حال إدراك البصر للمبصر، تقدمت المعرفة بذلك المبصر أو لم تتقدم. وهذا التحقيق هو بالإضافة إلى الحس، ومعنى محققًا ومعنى غاية التحقيق هو بالإضافة إلى الحس، ومعنى محققًا ومعنى غاية التحقيق في هذه المواضع هو غاية ما يدركه الحس. ومع جميع ذلك فإن إدراك البصر للمبصرات يكون بحسب قوة البصر، فإن الأبصار يختلف إحساسها في القوة والضعف.
فعلى هذه الصفات يكون إدراك البصر للمبصرات. وهذه هي جميع أنواع الإبصار، وهو الذي قصدنا لتبيينه في هذا الفصل. وقد أتينا على تفصيل جميع المبصرات وتفصيل جميع المعاني المبصرة، وبينا جميع المعاني التي بها يتوصل البصر إلى إدراك المبصرات وإلى إدراك المعاني المبصرة، وميزنا جميع الأقسام التي إليها تنقسم جميع أنواع الإبصار. وهذه هي المعاني التي قصدنا لتبيينها في هذه المقالة.
تمت المقالة الثانية من كتاب الحسن بن الحسن في المناظر وانتهى النسخ عشية الأحد الثامن والعشرين من جمادى الأخرى سنة ست وسبعين وأربعمائة بالبصرة وكتب أحمد بن محمد بن جعفر حامدًا لله ومصليًا على خير خلقه محمد النبي وآله وصحبه.
بسم الله الرحمن الرحيم
قد تبين في المقالة الأولى والثانية كيف يدرك البصر المبصرات على ما هي عليه إذا كان إدراكه لها على استقامة، وكيف يتحقق صورة المبصر، وكيف يدرك كل واحد من المعاني الجزئية على ما هي عليه وكيف يتحققه. وليس كل مبصر يدركه البصر على ما هو عليه، ولا كل معنى يدركه البصر ويتخيل الناظر أنه قد أدرك حقيقته يكون مصيبًا في إدراكه وفي تخيله. بل قد يغلط البصر في كثير مما يدركه من المبصرات ويدركها على خلاف ما هي عليه، وربما أحس بغلطه في حال غلطه وربما لم يحس بغلطه وظن أنه مصيب ويكون غالطًا. وذلك أن البصر إذا أدرك مبصرًا من المبصرات، وكان على بعد متفاوت، فإنه يدرك مقدار أصغر من مقداره الحقيقي، وإذا كان المبصر قريبًا جدًا من البصر أدرك مقداره أعظم من مقداره الحقيقي، وإذا أدرك البصر شكلًا مربعًا أو كثير الأضلاع من البعد المتفاوت أدركه مستديرًا إذا كان متساوي الأقطار ومستطيلًا إذا كان مختلف الأقطار، وإذا أدرك الكرة من البعد المتفاوت أدركها مسطحة. وأمثال هذه المعاني كثيرة وكثيرة الأنواع. وجميع ما يدركه البصر على هذه الصفة فهو غالط فيه.
وأيضًا فإن البصر إذا نظر إلى كوكب من الكواكب فإنه يدركه في الحال ساكنًا والكوكب مع ذلك متحرك. وإذا رجع الناظر إلى عمله علم أن الكوكب متحرك في حال نظره إليه، فإذا ميز الناظر هذا المعنى أحس في الحال أنه غالط فيما يدركه من سكون الكوكب. وإذا نظر الناظر إلى شخص من الأشخاص التي على وجه الأرض من بعد متفاوت، وكان ذلك الشخص متحركًا حركة بطيئة مسرفة البطء ولم يطل النظر إليه في حال نظره إليه، يدركه ساكنًا. وإذا لم يتقدم علم الناظر بحركة ذلك الشخص، ولم يلبث زمانًا طويلًا في مقابلته، فليس يعلم في الحال أنه غالط فيما يدركه من سكون ذلك الشخص، فيكون في إدراكه ما هذه صفته غالطًا ومع ذلك يحس بغلطه. فقد يعرض للبصر الغلط في كثير مما يدركه من المبصرات وربما أحس بغلطه وربما لم يحس به.
وإذ قد تبين في المقالتين المتقدمتين كيف يدرك البصر المبصرات على ما هي عليه، وقد تبين مما ذكرناه في هذا الفصل أن البصر قد يعرض له الغلط في كثير مما يدركه من المبصرات، فقد بقي أن نبين لم يعرض للبصر الغلط ومتى يعرض له الغلط وكيف يعرض له الغلط. ونحن نقصر هذه المقالة على الكلام في أغلاط البصر فيما يدركه على الاستقامة، ونبين العلل التي من أجلها يعرض للبصر الغلط، وإلى كم نوع تنقسم أنواع الغلط، ونبين كيف يعرض الغلط في كل نوع من أنواع الغلط، ونقدم ما يجب تقديمه لتبيين الكلام في الأغلاط.