الصفحة 102 من 245

والذي يظهر به ظهورًا بينًا أن الحاس يدرك السمت الذي عليه ينفعل البصر بصورة المبصر هو ما يدرك بالانعكاس في المرايا. فإن المبصر الذي يدركه البصر بالانعكاس في المرآة إنما يدركه البصر في مقابلته. وليس هو مقابلًا له، وإنما صورته تصل إلى البصر على طول الخطوط المستقيمة التي هي خطوط الشعاع الممتدة من البصر في جهة المقابلة. فإذا أحس البصر بالصورة من سموت خطوط الشعاع ظن بالمبصر أنه عند أطراف تلك الخطوط. لنه ليس يدرك شيئًا من المبرات المألوفة التي يدركهما دائمًا إلا عند أطراف الخطوط المتوهمة بين البصر والمبصر التي هي خطوط الشعاع. فمن إدراك البصر للمبصر بالانعكاس في مقابلته وعلى استقامة السموت التي عليها تصل الصور المنعكسة إلى البصر، ويظهر أن الحاس يحس بالسمت الذي منه ترد الصورة ومنه ينفعل البصر بالصورة. وإذا أحس الحاس بالسمت الذي منه ينفعل بالصورة أدركت القوة المميزة الجهة التي يمتد فيها ذلك السمت، وأدركت جهة المبصر. فجهة المبصر يدركها الحاس إدراكًا مجملًا من إدراكه لوضع البصر في حال الإبصار، وتدركها القوة المميزة إدراكًا مجملًا من إدراكها لوضع البصر في حال الإبصار، وتدركها إدراكًا محققًا على التحرير من إدراكها للسمت الذي منه ينفعل البصر بصورة المبصر. وبعد المبصر هو معنى قد استقر في النفس. ففي حال حصول صورة المبصر في البصر قد أدركت القوة المميزة جهة المبصر مع استقرار معنى البعد عندها. واجتماع البعد والجهة هو المقابلة. فإذا أدركت القوة المميزة جهة المبصر وبعده معًا فقد أدركت مقابلته. فإدراك المقابلة يكون من إدراك جهة المبصر وإدراك بعد المبصر معًا. وإدراك الجهة يكون على الصفة التي ذكرناها. فإذا حصلت صورة المبصر في البصر أحس الحاس بالموضع من العضو الحاس الذي فيه حصلت الصورة، وأدركت القوة المميزة جهة المبصر من السمت الذي منه تمتد الصورة. ومعنى البعد مستقر عندها. فهي تدرك الجهة وتدرك البعد معًا في حال إدراك الحاس للصورة. ففي حال إدراك الحاس للصورة قد أدركت القوة المميزة المقابلة. فعلى هذه الصفة يكون إدراك المقابلة.

وقد تبين كيف يدرك البصر صورة المبصر بمجرد الإحساس. ففي حال حصول صورة المبصر في البصر قد أدرك الحاس لون المبصر وضوءه والموضع من البصر الذي تلون وأضاء بتلك الصورة، وأدركت القوة المميزة جهته وبعده في حال إدراك الحاس لضوئه ولونه. فيصير إدراك الضوء واللون والجهة والبعد معًا، اعني في أقل القليل من الزمان. والجهة والبعد هما المقابلة، والضوء واللون هما صورة المبصر، وإدراك الصورة مع إدراك المقابلة هو الذي يتقوم منه إدراك المبصر في مقابلة البصر إنما هو من أجل أن الضوء والمقابلة يدركان معًا. ثم لاستمرار هذا المعنى وكثرة تكرره صارت الصورة أمارة للحاس وللقوة المميزة. ففي حال حصول الصورة في البصر قد أدركها الحاس وأدركت القوة المميزة المقابلة وتقوم منهما إدراك المبصر في موضعه. فعلى هذه الصفة يكون إدراك المبصر في موضعه وكذلك كل جزء من أجزاء المبصر.

فإن كان بعد المبصر من البعاد المعتدلة المتيقنة المقدار كان موضع المبصر الذي فيه يدركه البصر هو موضعه الحقيقي. وإن لم يكن بعد المبصر من الأبعاد المتيقنة المقدار فإدراك المبصر في مقابلة البصر يكون متيقنًا على جميع الأحوال، لأن المقابلة تتقوم من الجهة ومن البعد بما هو بعد. وموضع المبصر الذي يدركه البصر فيه يكون مظنونًا غير متيقن لأن الموضع المتيقن إنما يدرك من تيقن مقدار البعد.

فأما أوضاع سطوح المبصرات عند البصر فإنها تنقسم قسمين: هما المواجهة والميل. والسطح المواجه للبصر هو الذي إذا أدركه البصر في حال المواجهة كان سهم الشعاع يلقي نقطة منه ويكون السهم مع ذلك قائمًا على السطح قيامًا معتدلًا. والسطح المائل هو الذي إذا أدركه البصر في حال ميله ولقي سهم الشعاع نقطة منه كان مائلًا على السطح لا قائمًا عليه قيامًا معتدلًا على اختلاف ضروب الميل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت