فأما المثال في الغلط الذي يعرض في المعرفة فكإدراك البصر لشخص إنسان من بعد بعيد ويكون ذلك الإنسان يشبه زيدًا، وبالمثال، الذي يعرفه ذلك الناظر وقد ألفه. فإذا رأى الناظر ذلك الشخص من البعد ربما ظنه زيدًا وليس هو زيدًا، وإن كانت المعاني الباقية التي في ذلك الشخص التي بها يتم إدراك المبصر على ما هو عليه في عرض الاعتدال ما سوى البعد. فيكون البصر قد غلط في إدراك ذلك الشخص، ويكون غلطه غلطًا في المعرفة، ويكون علة هذا الغلط هو خروج بعد ذلك الشخص عن عروض الاعتدال.لأن الشخص إذا كان على مسافة قريبة من البصر، فليس يشتبه على الناظر صورته بصورة من قد عرفه وألفه، إذا كانت المعاني الباقية التي في ذلك الشخص التي بها يتم إدراك المبصر على ما هو عليه في عرض الاعتدال.
فأما المثال في الغلط الذي يعرض في القياس والتمييز في حال إدراك المبصر فكإدراك البصر لحركة القمر إذا كان في وجه القمر سحاب رقيق متقطع أو مختلف الصورة وكان السحاب متحركًا حركة سريعة. فإن البصر يرى القمر كأنه يتحرك حركة سريعة، وإذا أدرك القمر يتحرك حركة سريعة فهو غالط فيما يدركه من حركته، والغلط في الحركة هو غلط في القياس لأن الحركة ليس تدرك إلا بالقياس في حال الإحساس، وعلة هذا الغلط هو خروج بعد القمر عن عرض الاعتدال بالتفاوت المسرف. لأن المبصرات التي على وجه الأرض القريبة من البصر إذا تحرك في وجهها جسم مشف، فليس ترى متحركة إذا كانت المعاني الباقية التي في تلك المبصرات التي بها يتم إدراك المبصرات على ما هي عليه في عرض الاعتدال. وقد يوجد ذلك في الأجسام التي على وجه الأرض، وهي الأجسام التي تكون في الماء إذا كان الماء جاريًا وكان مع ذلك صافيًا. فإن البصر إذا تأمل المبصر الذي في الماء الصافي، وكان الماء جاريًا، فليس يدرك ذلك المبصر متحركًا وهو يدرك القمر من وراء السحاب متحركًا.
والقياس الذي من أجله يعرض هذا الغلط هو قياس القمر إلى أجزاء السحاب. فإن السحاب إذا كان متحركًا فإن أجزاءه المسامتة للقمر تتبدل وأطراف القطع المتقطعة من السحاب يبعد بعضها عن القمر وهو ما تجاوز القمر منها ويقرب بعضها من القمر وهو المتحرك منها إلى جهة القمر. فإذا كان البصر ناظرًا إلى القمر وهو من وراء السحاب وكان السحاب متحركًا حركة سريعة وكانت أجزاؤه مختلفة الصورة، فإنه يرى القمر في الحال يسامت من السحاب جزءًا بعد جزء. وإذا كان السحاب متشابه الأجزاء، فإنه إذا قاس البصر القمر بطرف قطعة بعد قطعة من السحاب المتقطع أدركه يقرب من طرف كل واحدة من تلك القطع ويبعد من طرف القطعة الأخرى، ويخرج من قطعة من السحاب ويدخل في قطعة غيرها، فيظنه من أجل اختلاف وضعه بالقياس إلى قطع السحاب وإلى أجزاء السحاب أنه متحرك. لأن البصر كذلك يدرك الأجسام المتحركة التي على وجه الأرض التي يدركها دائمًا، فإنه يرى الجسم المتحرك على وجه الأرض يسامت من سطح الأرض جزءًا بعد جزء، ويبعد من جزء ويقرب من آخر، فإدراك البصر للقمر من وراء السحاب السريع الحركة متحركًا إنما هو من قياسه جزءًا من القمر إلى أجزاء السحاب التي تتبدل عليه. وظنه أن ذلك التبدل هو من أجل حركة القمر لا من أجل حركة السحاب إنما هو من أجل أن السحاب إذا كان يغشى السماء أو قطعة من السماء فليس يظهر ببديهة الحس أنه متحرك، بل إذا لحظ البصر السحاب وهو مغشي للسماء أو لقطعة من السماء فإنه يظنه في الحال ساكنًا. وإنما يدرك البصر حركة السحاب إذا تأمل أطرافه أو جزءًا من أجزائه وقاسه بمبصر من المبصرات الثابتة على وجه الأرض أو بالبصر نفسه وتأمله زمانًا، فإذا وجده بعد زمان محسوس قد تغير وضعه أدرك حركته، فأما في ملاحظة السحاب فليس تظهر حركته بل يظنه ساكنًا. وإذا ظهر السحاب ساكنًا ووجد القمر يسامت جزءًا منه بعد جزء حكم للقمر بالحركة. وهذا الغلط إنما هو من أجل تفاوت البعد، لأن المبصرات التي بهذه الصفة إذا كانت قريبة من البصر فليس يعرض فيها الغلط.
فعلى هذه الأمثلة تكون أغلاط البصر على هذه الوجوه الثلثة. فأنواع جميع أغلاط البصر تنقسم إلى هذه الأنواع الثلثة.