وكذلك إذا كان المبصران يختلفان في المعاني الظاهرة ويتشابهان في المعاني الخفية فإن البصر يدركهما في الهواء الغليظ مختلفين ولا يحس بتشابههما. وإذا أدرك البصر المبصرين المتشابهين مختلفين على الإطلاق فهو غالط في اختلافهما.
والغلط في الحسن وفي القبح وفي التشابه وفي الاختلاف هي أغلاط في القياس لأن المعاني تدرك بالقياس، ولأن هذه الأغلاط إنما هي لتعويل البصر على المعاني الظاهرة وسكونه إلى نتائجها. وعلة هذه الأغلاط هي خروج شفيف الهواء عن عرض الاعتدال، لأن المبصرات التي بهذه الصفة إذا أدركها البصر في هواء لطيف متشابه الشفيف فإنه يدرك كل واحد منها على ما هو عليه، ويدرك الحسن حسنًا والقبيح قبيحًا والمتشابهين متشابهين والمختلفين مختلفين، ولا يعرض له الغلط في شيء من المعاني التي فيها، إذا كانت المعاني الباقية التي في تلك المبصرات في عرض الاعتدال.
فعلى هذه الصفات وأمثالها يكون غلط البصر في القياس من أجل خروج شفيف الهواء عن عرض الاعتدال.
البعد فأما كيف يكون غلط البصر في القياس من أجل خروج الزمان الذي فيه يدرك البصر المبصر عن عرض الاعتدال فكالمبصر الذي يلمح شخصًا قائمًا على وجه الأرض من بعد ثم يلتفت عنه في الحال، ويكون ذلك الشخص نخلة أو شجرة أو عمودًا أو جدارًا، ويكون من وراء ذلك الشخص جبل، ويكون بين الشخص وبين الجبل مسافة مقتدرة: فإن البصر إذا لمح الشخص الذي بهذه الصفة فإنه ربما ظن بذلك الشخص أنه في حذاء الجبل أو قريبًا منه ولم يحس بالمسافة التي بينهما وإن كان بعد ذلك الشخص من الأبعاد المعتدلة إذا كان من أبعدها. وذلك لأن البصر إذا لمح الشخص لمحة سريعة ثم التفت عنه في الحال فإنه في حال لمحته للشخصين ربما لم يلمح وجه الأرض، ويكون نظره إلى الشخص في سمت المقابلة فقط. وإذا لم يلمح وجه الأرض لم يدرك المسافة التي بين الشخص وبين الجبل. وإن لمح الناظر جملة الأرض أيضًا، ولم يحرك البصر في طول المسافة، فإنه ليس يتميز له موضع قاعدة الشخص من تلك المسافة. فإذا لمح البصر الشخص القائم، وكان نظره في سمت المقابلة، وكان وراء الشخص جبل، فإن البصر يدرك ذلك الشخص في حذاء ذلك الجبل، ولا يحس بالبعد الذي بينهما. وإذا أدرك الشخص في حذاء الجبل وكان بين الشخص وبين الجبل بعد مقتدر فهو غالط في بعد ذلك الشخص عنه، ويكون غلطه غلطًا في القياس. ويكون على غلطه هو قصر الزمان الذي يدرك فيه ذلك الشخص، لأن البصر إذا قابل وجه الأرض الذي بهذه الصفة في زمان متنفس، واستقرأ المسافة التي بين البصر وبين الجبل، أدرك موضع الشخص من تلك المسافة، وأدرك البعد الذي بين الشخص وبين الجبل، ولم يعرض له الغلط في بعد الشخص من الجبل ولا في بعده عن البصر، إذا كانت المعاني الباقية التي في ذلك الشخص وفي ذلك الجبل وفي المسافة التي بين البصر والجبل في عرض الاعتدال.
الوضع