الصفحة 232 من 245

وقد يعرض الغلط في وضع المبصر أيضًا من اجل خروج الزمان عن عرض الاعتدال. وذلك أن الناظر إذا كان متحركًا حركة سريعة، ثم التفت عن يمينه أو عن شماله فلمح في التفاته حائطًا قائمًا أو جبلًا معترضًا من بعد مقتدر، وكان إدراكه لذلك الحائط أو لذلك الجبل من فرجة أو من باب، ثم غاب عنه ذلك الحائط أو ذلك الجبل بعد قطع البصر لمسافة عرض تلك الفرجة أو ذلك الباب، وكان سطح ذلك الحائط أو طول ذلك الجبل مائلًا على خطوط الشعاع، فإن البصر لا يحس بوضع ذلك الحائط ولا بوضع الجبل الذي يدركه على هذه الصفة. وإذا كان سطح الحائط أو طول الجبل مائلًا على خطوط الشعاع فإنه يدركه مواجهًا، وذلك لأن الميل إنما يدركه البصر من إدراكه لاختلاف بعدي طرفي المبصر، واختلاف أبعاد أطراف المبصرات إنما يدركها البصر من إدراكه لمقدار كل واحد من بعدي الطرفين المتقابلين وإدراكه لزيادة أحدهما على الآخر. وإدراك البصر لمقدار كل واحد من البعدين وإدراكه لتفاضلهما ليس يكون إلا في زمان له قدر يتمكن فيه البصر من تأمل كل واحد من البعدين ومن قياس أحدهما بالآخر ومن قياس كل واحد منهما بما يسامته من الأجسام الأرضية. والزمان الذي يقطع فيه البصر عرض المسافة التي هي الفرجة أو الباب، إذا كانت الفرجة أو الباب ضيقين وكانت حركة البصر سريعة، ليس يكون إلا يسيرًا. وإذا كان الزمان الذي بهذه الصفة يسيرًا، ولمح البصر ذلك، ولمح البصر ذلك الحائط أو ذلك الجبل في هذا القدر من الزمان أو في بعضه، فإنه لا يتمكن من تأمل مقداري بعدي طرفيه ومن قياس أحدهما بالآخر، وإن أدرك طرفي ذلك الجسم في لمحته. وإذا لم يدرك البصر مقدار كل واحد من بعدي طرفي الحائط أو الجبل، ولم يقس أحدهما بالآخر، فإنه لا يدرك ميل ذلك الحائط ولا ذلك الجبل، وخاصة إذا كان ميلهما يسيرًا. وإذا لم يدرك ميلهما فليس يدرك الحائط أو الجبل إلا مواجهًا، ويظن بأبعاد طرفيه أنهما متساويان، إذا لم يحس بالاختلاف الذي بينهما.

وإذا أدرك البصر المبصر المائل مواجهًا فهو غالط في وضعه. ويكون غلطه غلطًا في القياس لأن الوضع يدرك بالقياس. ويكون علة هذا الغلط هو خروج الزمان الذي فيه يدرك البصر المبصر عن عرض الاعتدال، لأن البصر إذا تأمل المبصر الذي بهذه الصفة، وكان الزمان الذي يتأمله فيه فسيحًا وتأمل أبعاد أطرافه، فإنه يدرك اختلاف أبعاد أطرافه ويدرك وضعه على ما هو عليه إذا كانت المعاني الباقية التي فيه في عرض الاعتدال.

الشكل وقد يعرض الغلط في الشكل أيضًا من أجل خروج الزمان عن عرض الاعتدال. وذلك أن البصر إذا لمح مبصرًا من المبصرات ثم التفت عنه سريعًا، وكان في سطح ذلك المبصر تحديب يسير أو تقعير يسير، فإنه يدركه في الآن مسطحًا، لأن التحديب اليسير ليس يدركه البصر إلا بالتأمل المستقصى ليس يكون إلا في زمان متنفس. وإذا أدرك البصر السطح المحدب أو المقعر مسطحًا فهو غالط في شكل ذلك السطح.ويكون غلطه غلطًا في القياس لأن الشكل يدرك بالقياس. ويكون علة غلطه فيما يدركه على هذه الصفة هو قصر الزمان الذي يدرك فيه المبصر، لنه إذا كان الزمان الذي يدرك فيه البصر المبصر فسيحًا فهو يدرك البصر المبصر فسيحًا فهو يدرك تحديب سطحه وتقعيره ويدرك شكله على ما هو عليه، إذا كانت المعاني التي فيه في عرض الاعتدال.

العظم وقد يعرض الغلط في العظم أيضًا من أجل خروج الزمان عن عرض الاعتدال. وذلك أن الإنسان إذا أخذ عودًا في طرفه نار، وحركه يمينًا وشمالًا حركة في غاية السرعة في ظلمة الليل، فإن البصر إذا نظر إلى النار التي بهذه الصفة فإنه يجدها ممتدة في المسافة التي تتحرك فيها تلك النار، التي هي أضعاف لمقدار جرم النار. وذلك لأن البصر ليس يدرك مقدار المبصر ولا يدرك موضع المبصر ولا يدرك حركة المبصر إلا في زمان له قدر، فإذا تحركت النار حركة في غاية السرعة فإن الزمان الذي تقطع فيه النار تلك المسافة هو زمان في غاية الصغر بالقياس إلى الحس، فليس يدرك الحس الجزء من الزمان الذي تقطع فيه النار الجزء من تلك المسافة. وإذا لم يدرك الحاس أجزاء ذلك الزمان جزءًا بعد جزء، فهو يحس بجملة الزمان بمنزلة جزء لا ينقسم من الزمان أو بمنزلة الآن. فالبصر يدرك النار في جميع تلك المسافة في زمان هو عند الحس بمنزلة الآن الواحد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت