الصفحة 33 من 245

فأما لما ليس تظهر هذه الصورة على جميع الأجسام المقابلة الأجسام المتلونة وتظهر على الأجسام البيض والمسفرة الألوان، ولم ليس يظهر على الجسم الأبيض لون كل جسم متلون مقابل له ويظهر عليه اللون المشرق القوي، ولم ليس يظهر هذا اللون على الجسم الأبيض إذا كان الضوء الذي في الجسم المتلون ضعيفًا ويظهر إذا كان الضوء الذي في الجسم المتلون قوياَ، ولم ليس يظهر هذا اللون على الجسم الأبيض إذا كان الجسم الأبيض في ضوء الشمس وفي ضوء قوي ويظهر عليه إذا كان الجسم الأبيض في الظل وفي الأضواء الضعيفة، فإن جميع ذلك لعلة تخص البصر، لا أن صور الألوان تشرق على جميع الأجسام المقابلة لها. ونحن نشرح هذا المعنى من بعد ونبينه بيانًا مستقصىً ونبين علله ونوضحها عند كلامنا في كيفية الأبصار. فهذا الذي بيناه من خواص الأضواء وما يصحب الأضواء ويقترن بها من صور الألوان كاف فيما نشرع فيه من البحث عن كيفية الإبصار.

نجد البصر إذا نظر إلى الأضواء القوية التي في غاية القوة تألم بها واستضر. فإن الناظر إذا نظر إلى جرم الشمس لم يستطع النظر إليها فإن لمحها تألم بصره بضوئها واستضر به. وكذلك إذا نظر إلى مرآة صقيلة قد أشرق عليها ضوء الشمس، وكان بصره في الموضع الذي إليه ينعكس الضوء عن تلك المرآة ، فإنه يتأذى بالضوء المنعكس الذي يصل إلى بصره عن المرآة ولا يستطيع أن يفتح بصره ويباشر ذلك الضوء.

ونجد أيضًا الناظر إذا نظر إلى جسم نقي البياض وقد أشرق عليه ضوء الشمس، وأطال النظر إليه، ثم صرف بصره عنه إلى موضع مغدر ضعيف الضوء، فإنه لا يكاد يدرك ما في ذلك الموضع من المبصرات إدراكًا صحيحًا ويجد كأن بينه وبينها سترًا. ثم ينجلي ذلك عن تدريج ويعود البصر إلى حاله. وكذلك إذا نظر الناظر إلى نار قوية وحدق إليها، وأطال النظر زمانًا، ثم صرف بصره إلى موضع مغدر ضعيف الضوء، فإنه يجد أيضًا في بصره مثل ذلك.

وأيضًا فإننا نجد الناظر إذا نظر إلى جسم نقي البياض وقد أشرق عليه ضوء النهار، وكان الضوء الذي عليه قويًا وإن لم يكن ضوء الشمس، وأطال النظر إليه زمانًا، ثم صرف بصره إلى موضع مظلم، فإنه يجد صورة ذلك الضوء في ذلك الموضع المظلم، ويجد مع ذلك شكله. ثم إن أطبق بصره وتأمل ساعة فإنه يجد في بصره صورة ذلك الضوء وشكله. ثم ينجلي ذلك ويعود البصر إلى حاله. وكذلك يكون حال البصر إذا نظر إلى جسم قد أشرق عليه ضوء الشمس وأطال النظر إليه.

وكذلك إن نظر الناظر إلى جسم نقي البياض وقد أشرق عليه ضوء النار، وكان ضوء النار قويًا، وأطال النظر إليه، ثم انصرف إلى موضع مظلم،فإنه يجد أيضًا في بصره مثل ذلك. وكذلك إذا كان الناظر في بين وكان في البيت ثقب واسع منكشف للسماء، ونظر إلى السماء من ذلك الثقب في ضوء النهار، وأطال النظر، ثم عطف ببصره إلى موضع مظلم، فإنه يجد صورة الضوء الذي كان يدركه من الثقب مع شكل الثقب في الموضع . وإن أطبق بصره وجد أيضًا فيه تلك الصورة.

فتدل جميع هذه الأحوال على أن الضوء يؤثر في البصر أثرًا ما.

وأيضًا فإننا نجد الناظر إذا نظر إلى روضة خضراء متكاثفة وقد أشرق عليها ضوء الشمس، وأطال النظر إليها، ثم صرف بصره إلى موضع مظلم، فإنه يجد في الموضع المظلم صورة ذلك الضوء ومتلونًا بخضرة الزرع. ثم إن نظر في هذه الحال إلى مبصرات بيض، وكانت تلك المبصرات في الظل وفي موضع ضعيف الضوء، فإنه يجد ألوانها ملتبسة بلون الخضرة. فإن أطبق بصره أيضًا في هذه الحال وتأمل فإنه يجد في بصره صورة الضوء وصورة الخضرة ثم ينحل ذلك ويزول. وكذلك إذا نظر إلى جسم متلون بلون أرجواني أو لازوردي أو لون من الألوان المشرقة القوية وقد أشرق عليه ضوء الشمس وأطال النظر إليه ثم عطف ببصره إلى مبصرات بيض في موضع ضعيف الضوء وجد ألوانها ملتبسة بذلك اللون.

فتبين من هذا الاعتبار أن الألوان المضيئة تؤثر أيضًا في البصر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت