فتدل هذه الأحوال كلها التي شرحناها على أن الأضواء القوية التي تكون المبصرات قد تخفي بعض المعاني التي في بعض المبصرات، وأن الأضواء الضعيفة التي تكون في المبصرات قد تظهر بعض المعاني التي في بعض المبصرات.
وأيضًا فإن المبصرات التي فيها نقو دقيقة أو وشوم أو معان لطيفة قد كثير من المعاني التي فيها إذا كانت في الأضواء الضعيفة وفي المواضع المغدرة، وإذا أبرزت إلى المواضع المضيئة وقوي الضوء الذي عليها أو جعلت في ضوء الشمس ظهرت المعاني التي تكون فيها التي كانت تخفى في المواضع المغدرة وفي الأضواء الضعيفة وكذلك الخط الدقيق قد يعجز البصر عن إدراكه في المواضع المغدرة وفي الأضواء الضعيفة، وإذا أبرز إلى الأضواء القوية أدركه البصر.
فتدل هذه الحال على أن الأضواء القوية قد تظهر كثيرًا من المعاني التي في المبصرات، وأن الأضواء الضعيفة قد تخفي كثيرًا من المعاني التي في المبصرات.
وأيضًا فإننا نجد الأجسام الكثيفة المتلونة بألوان مشرقة كالأرجوانية واللازوردية والخمرية والفرفيرية، إذا كانت في مواضع مغدرة وفي أضواء ضعيفة ظهرت ألوانها كدرة ، وإذا كانت في ضوء قوي ظهرت ألوانها مشرقة صافية، وكلما ازداد الضوء الذي عليها قوة ازدادت ألوانها إشراقًا وصفاءً. وإذا كان واحد من الأجسام في مكان مظلم، وليس فيه إلا ضوء يسير جدًا، فإن ذلك الجسم يظهر مظلمًا ولا يتيقن البصر لونه ويظن به انه أسود. فإذا اخرج إلى المواضع المضيئة وقوي الضوء الذي عليه ظهر لونه وتميز للبصر.
ونجد أيضًا الأجسام البيض الكثيفة إذا أشرق عليها ضوء قوي ازدادت بياضا ًوإشراقًا عند الحس، ونجد الأجسام الكدرة الألوان إذا أشرقت عليها الأضواء القوية صفت ألوانها وأسفرت.
وأيضًا فإننا نجد الأجسام المشفة المتلونة بألوان قوية، كالأشربة القوية الحمرة التي في الأواني المشفة، إذا كانت في مواضع مغدرة وفي أضواء ضعيفة فإنها تظهر سودًا مظلمة وكأنها غير مشفة وإن استشقت، وإذا كانت في الأضواء القوية أو أشرق عليها ضوء الشمس صفت ألوانها وأشرقت وظهر شفيفها.
وكذلك الجواهر المشفة المتلونة المشبعة الألوان إذا كانت في المواضع المغدرة ظهرت ألوانها كدرة، وإذا أشرق عليها ضوء قوي أو قوبل بها الضوء حتى ينفذ الضوء فيها صفت ألوانها وأشرقت وظهر شفيفها.
وأيضًا فإن الأجسام المشفة المتلونة إذا قوبل بها الضوء وقوبلت من الجهة المضادة لجهة الضوء بجسم أبيض، كما ذكرنا من قبل، فإنه إن كان الضوء قويًا ظهرت صورة ذلك اللون في ظله على الجسم الأبيض المقابل له، وإن كان الضوء الذي يشرق عليه ضعيفًا ظهر على الجسم الأبيض المقابل له ظل ولم يظهر اللون.
وأيضًا فإننا نجد أرياش الطواويس والثوب المسمى أبا قلمون تختلف ألوانها عند البصر في الأوقات المختلفة من النهار بحسب اختلاف الأضواء التي تشرق عليها.
فتدل هذه الأحوال التي تظهر في الألوان على أن الأجسام المتلونة إنما يدرك البصر ألوانها بحسب الأضواء المشرقة عليها.
فإذا كانت الأضواء القوية التي في المبصرات وقد تظهر بعض المعاني التي في بعض المبصرات،وكانت الأضواء الضعيفة التي تكون المبصرات قد تظهر بعض المعاني التي في بعض المبصرات وقد تخفي بعض المعاني التي في بعض المبصرات، وكانت الأجسام المتلونة قد تتغير ألوانها بحسب اختلاف الأضواء التي تشرق عليها، وكانت الأضواء القوية المشرقة على البصر قد تعوق البصر عن إدراك بعض المبصرات، وكان البصر مع جميع ذلك ليس يدرك شيئًا من المبصرات إلا إذا كان مضيئًا، فإن الصورة إذن التي يدركها البصر من المبصر إنما تكون بحسب الضوء الذي في المبصر وبحسب الأضواء التي تشرق على البصر في حال إدراكه لذلك المبصر وعلى الهواء المتوسط بين البصر والمبصر.
فأما لم الأضواء القوية تعوق البصر عن إدراك بعض المبصرات فإننا نشرح علة ذلك عند كلامنا في كيفية الإبصار.
البصر مركب من طبقات وأغشية وأجسام مختلفة، ومبدؤه ومنشؤه من مقدم الدماغ