فأما الشفيف فإن البصر يدركه بالاستدلال من إدراكه لما وراء الجسم المشف. وليس يدرك شفيف الجسم المشف إلا إذا كان فيه بعض الكثافة وكان شفيفه أغلظ من شفيف الهواء المتوسط بينه وبين البصر. فأما إذا كان في غاية الشفيف فليس يدرك البصر شفيفه ولا يحس به، وإنما يدرك ما وراءه فقط. وإذا كان فيه بعض الكثافة أدركه البصر بما فيه من الكثافة، وأدرك شفيفه من إدراكه لما وراءه. فإن الجسم المشف إذا كان وراءه ضوء أو جسم متلون مضيء فإنه يظهر من وراء الجسم المشف ويحس به البصر. وليس يحس البصر بشفيف الجسم، إذا أحس بما وراءه، إلا إذا أحس الضوء واللون الذي يدركه من وراء الجسم المشف هو ضوء أو لون من وراء الجسم المشف وليس هو لون الجسم نفسه ولا ضوءه. فإن لم يحس بأن الضوء الذي يدركه من وراء الجسم المشف أو اللون هو من وراء الجسم المشف فليس يحس بشفيف الجسم المشف. وإن لم يكن وراء الجسم المشف ضوء ولا جسم مضيء، ولا عن جوانبه، ولم يظهر من ورائه ولا من جهة من جهاته شيء من الضوء أو اللون، فليس يحس البصر بشفيف ذلك الجسم. وذلك يكون إذا كان الجسم المشف ملتصقًا بجسم من الأجسام الكثيفة، وكان الجسم الكثيف مشتملًا عليه أو مسامتًا له من جميع جهاته، وكان الجسم الكثيف ذا لون مظلم يحس البصر بشفيف الجسم الذي بهذه الصفة.
وكذلك إذا كان وراء الجسم المشف مكان مظلم ولم يظهر من ورائه شيء من الضوء، فإن الجسم الكثيف الذي من وراء الجسم المشف ذا لون مسفر، وكان الضوء الذي في الجسم المشف يصل إلى الجسم الكثيف ويظهر للبصر لون ذلك الجسم الكثيف، فإن البصر يدرك الجسم المشف الذي بهذه الصفة إذا أحس بأن اللون الذي يدركه من ورائه هو لون جسم غيره وليس هو لونه. فإذا أحس بأن اللون الذي يدركه من ورائه هو لون جسم من وراء الجسم المشف، فقد أحس بشفيف الجسم المشف. وكذلك إذا كان الجسم المشف ضعيف الشفيف وكان الجسم الذي وراءه والأجسام التي حوله ضعيفة الضوء، فليس يدرك البصر شفيفه إلا إذا استشفه وقابل به ضوءًا قويًا، فإذا أحس بالضوء من ورائه أدرك شفيفه. فعلى هذه الصفات يدرك ابصر شفيف الأجسام المشفة.
فأما الكثافة فإن البصر يدركها من عدم الشفيف. وإذا أدرك البصر الجسم ولم يحس فيه بشيء من الشفيف حكم بكثافته. والكثافة إنما هي عدم الشفيف.
فأما إدراك الظل فإن البصر يدركه بالقياس إلى ما يجاوره من الأضواء أو بما تقدم العلم به من الأضواء. وذلك أن الظل هو عدم بعض الأضواء مع إضاءة موضع الظل بغير ذلك الضوء المعدوم من موضع الظل. فإذا أحس البصر بموضع الظل وأحس بما يجاوره من الأجسام، وكان على الأجسام المجاورة لموضع الظل ضوء قوي أقوى من الضوء الذي في موضع الظل، أحس باستظلال ذلك الموضع عن الضوء القوى المشرق على الأجسام المجاورة له. وكذلك إذا أحس بضوء ما في موضع من المواضع، وعدم في ذلك الموضع ضوء الشمس أو ضوء من الأضواء القوية الموجودة في ذلك الوقت، أحس استظلال ذلك الموضع عن ضوء الشمس أو عن ذلك الضوء القوي. وربما أحس البصر بالجسم المظل، وربما لم يتميز له في الحال الجسم المظل. إلا أن البصر إذا أدرك موضعًا فيه ضوء ضعيف، وأدرك الأجسام المجاورة له، وأدرك الضوء الذي على الأجسام المجاورة لموضع الضوء الضعيف أقوى من ذلك الضوء الضعيف، فقد أحس بالظل الذي في ذلك الموضع. فعلى هذه الصفة يدرك البصر الظل.
فأما الظلمة فأن البصر يدركها بالاستدلال من عدم الضوء. وذلك أن الظلمة هي عدم الضوء بالجملة. فإذا أدرك البصر موضعًا من المواضع ولم يدرك فيه شيئًا من الضوء فقد أحس بالظلمة يدركها الحاس من عدم إحساسه بالضوء.
فأما الحسن المدرك بحاسة البصر فإن البصر يدركه من إدراكه للمعاني الجزئية التي قد تبين كيفية إدراك البصر لها. وذلك أن كل واحد من المعاني الجزئية التي تقدم بيانها يفعل نوعًا من الحسن بانفراده، وتفعل هذه المعاني أنواعًا من الحسن باقتران بعضها ببعض. والبصر إنما يدرك الحسن من صور المبصرات التي تدرك بحاسة البصر، وصور المبصرات مركبة من المعاني الجزئية التي تبين تفصيلها، والبصر يدرك الصور من إدراكه لهذه المعاني، فهو يدرك الحسن من إدراكه لهذه المعاني.