الصفحة 129 من 245

وأنواع الحسن التي يدركها البصر من صور المبصرات كثيرة: فمنها ما تكون علته واحدة من المعاني الجزئية التي في الصورة، ومنها ما تكون علته عدة من المعاني الجزئية التي في الصورة، ومنها ما تكون علته اقتران المعاني بعضها ببعض لا المعاني أنفسها، ومنها ما تكون علته مركبة من المعاني وتألفها. والبصر يدرك كل واحد من المعاني التي في كل واحدة من الصور منفردًا، ويدركها مركبة، ويدرك اقترانها وتألفها. فالبصر يدرك الحسن على وجوه مختلفة، وجميع الوجوه التي منها يدرك البصر الحسن ترجع إلى إدراك المعاني الجزئية.

فأما أن هذه المعاني الجزئية هي التي تفعل الحسن منفردة وأعني بقولي تفعل الحسن أي تؤثر في النفس استحسان الصورة المستحسنة فإنه يظهر باليسير من التأمل. وذلك أن الضوء يفعل الحسن. ولذلك تستحسن الشمس والقمر والكواكب. وليس في الشمس والقمر والكواكب علة تستحسن من أجلها وتروق صورتها بسببها غير الضوء وإشراقه. فالضوء على انفراده يفعل الحسن.

واللون أيضًا يفعل الحسن. وذلك أن كل واحد من الألوان المشرقة كالأرجوانية والفرفيرية والزرعية والوردية والصعوية وأشباهها تروق الناظر ويلتذ البصر بالنظر إليها. وكذلك تستحسن المصنعات من الثياب والفروش والآلات وتستحسن الأزهار والأنوار والرياض. فاللون على انفراده يفعل الحسن.

والبعد أيضًا قد يفعل الحسن بطريق العرض. وذلك أن الصور المستحسنة منها ما يكون فيها وشوم وغضون ومسام تشين الصورة وتشعث حسنها. فإذا بعدت عن البصر فضل بعد خفيت تلك المعاني الدقيقة التي تشين تلك الصورة، فيظهر عند خفاء تلك المعاني حسن الصورة. وكذلك أيضًا كثير من الصور المستحسنة قد تكون فيها معان لطيفة من أجلها كانت الصورة كالنقوش الدقيقة والتخطيط والترتيب. وكثير من هذه المعاني قد تخفى عن البصر من كثير من الأبعاد المعتدلة، فإذا قربت من البصر فضل قرب ظهرت تلك المعاني اللطيفة للبصر ظهر حسن الصورة للبصر. فزيادة البعد ونقصان البعد قد يظهر الحسن. فالبعد على انفراده قد يفعل الحسن.

والبعد أيضًا قد يفعل الحسن بطريق العرض. وذلك أن الصور المستحسنة منها ما يكون فيها وشوم وغضون ومسام تشين الصورة وتشعث حسنها. فإذا بعدت عن البصر فضل بعد خفيت تلك المعاني الدقيقة التي تشين تلك الصورة، فيظهر عند خفاء تلك المعاني حسن الصورة. وكذلك أيضًا كثير من الصور المستحسنة قد تكون فيها معان لطيفة من أجلها كانت الصورة حسنة كالنقوش الدقيقة والتخطيط والترتيب. وكثير من هذه المعاني قد تخفى عن البصر من كثير من الأبعاد المعتدلة، فإذا قربت من البصر فضل قرب ظهرت تلك المعاني اللطيفة للبصر وظهر حسن الصورة للبصر. فزيادة البعد ونقصان البعد قد يظهر الحسن. فالبعد على انفراده قد يفعل الحسن.

والوضع قد يفعل الحسن، وكثير من المعاني المستحسنة إنما تستحسن من أجل الترتيب والوضع فقط. وذلك أن النقوش كلها إنما تستحسن من أجل الترتيب. والكتابة المستحسنة إنما تستحسن من أجل الترتيب. لأن حسن الخط إنما هو من تقويم أشكال الحروف ومن تأليف بعضها ببعض. فإن لم يكن تأليف الحروف وترتيبها منتظمًا متناسبًا فليس يكون الخط حسنًا وإن كانت أشكال حروفه على انفرادها صحيحة مقومة. وقد يستحسن الخط إذا كان تأليفه تأليفًا منتظمًا وإن لم تكن حروفه في غاية التقويم. وكذلك كثير من صور المبصرات إنما تحسن وتروق من أجل تأليف أجزائها وترتيب بعضها عند بعض.

والتجسم يفعل الحسن، ولذلك تستحسن الأجسام الخصبة من أشخاص الناس وأشخاص كثير من الحيوان.

والشكل يفعل الحسن، ولذلك يستحسن الهلال. والصور المستحسنة من الناس وأشخاص كثير من الحيوانات والشجر والنبات إنما تستحسن من أجل أشكالها وأشكال أجزاء الصورة.

والعظم يفعل الحسن. ولذلك صار القمر أحسن من كل واحد من الكواكب وصارت الكواكب الكبار أحسن من الكواكب الصغار.

والتفرق يفعل الحسن، ولذلك صارت الكواكب المتفرقة أحسن من اللطخات وأحسن من المجرة. ولذلك أيضًا صارت المصابيح والشموع المتفرقة أحسن من النار المتصلة المجتمعة. ولذلك أيضًا توجد الأنوار والأزهار المتفرقة في الرياض أحسن من المجتمع منها والمتراص.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت