الصفحة 222 من 245

والغلط في الحسن والقبح هو غلط في القياس لأن الحسن والقبح يدركان بالقياس، ولأن هذا الغلط إنما هو لتعويل البصر على المعاني الظاهرة وسكونه إلى نتائجها. وعلة هذا الغلط هو الصغر المفرط لأن البصر المقتدر الحجم ليس يخفى عن البصر محاسنه ومقابحه إذا كانت المعاني الباقية التي فيه في عرض الاعتدال.

التشابه والاختلاف وقد يعرض الغلط في التشابه والاختلاف أيضًا من أجل الصغر المفرط على هذا الوجه. وذلك أن المبصرين إذا كانا في غاية الصغر وكانا متساويين فيما يظهر من صورتيهما، وكان فيهما مع ذلك معان في غاية اللطافة يختلفان فيها، وكان البصر لا يدرك المعاني اللطيفة التي في ذينك المبصرين التي بها يختلفان لفرط صغرها ولطافتها ويدرك ظاهر الصورتين، فإن البصر يظن بذينك المبصرين أنهما متشابهان ولا يحكم لهما بشيء من الاختلاف. وإذا أدرك البصر المبصرين المختلفين متشابهين فهو غالط في تشابههما.

وكذلك إذا كان المبصران مختلفي الصورتين فيما يظهر من صورتيهما، وكان فيهما مع ذلك معان لطيفة يتشابهان فيها، وكان البصر لا يدرك تلك المعاني الطيفة لفرط دقتها ولطافتها، ويدرك ظاهر الصورتين، فإن البصر يظن بذينك المبصرين أنهما مختلفان ولا يحكم لهما بشيء من التشابه. وإذا أدرك البصر المبصرين المتشابهين مختلفين على الإطلاق فهو غالط فيما يظنه من اختلافهما.

والغلط في التشابه والاختلاف هو غلك في القياس، لأن التشابه والاختلاف يدركان بالقياس ولأن هذا الغلط هو لتعويل البصر على المعاني الظاهرة وسكونه إلى نتائجها. وعلة هذا الغلط هو الصغر المفرط، لن المبصرين إذا كانا مقتدري الحجم وكانا متشابهين أو مختلفين بمعان لطيفة تكون فيهما نظيرة للمعاني التي تكون في المبصر الذي في غاية الصغر ومناسبة للمبصر المقتدر الحجم، فإن البصر يدرك تشابه المتشابهين فيهما ويدرك اختلاف المختلفين إذا كانت المعاني الباقية التي فيهما في عرض الاعتدال.

فعلى هذه الصفات وأمثالها يكون غلط البصر في القياس من أجل خروج حجم المبصر عن عرض الاعتدال، أو خروج حجم المعاني التي في المبصر عن عرض الاعتدال.

الوضع والبعد فأما كيف يكون غلط البصر في القياس من أجل خروج كثافة المبصر عن عرض الاعتدال فكالمبصر المشف الشديد الشفيف النقي البياض، كالزجاج والبلور وما جرى مجراهما، إذا كان الجسم من الأجسام ذا سمك مقتدر، وكان سطحه مستويًا، وكان سطحه مائلًا على خطوط الشعاع، وكان وراءه ضوء قوي. فإن البصر إذا أدرك المبصر الذي بهذه الصفة فإنه يدركه مضيئًا شديد الإضاءة. فإذا كان المبصر مرتفعًا عن سطح الأرض، ولم يكن مماسًا لجسم من الأجسام الكثيفة، فإن البصر لا يتحقق ميل سطحه ولا يدركه إلا كما يدرك المبصر المواجه ولا يتحرر له أيضًا هيئة سطحه. وذلك لأن المبصر إذا كان في غاية الشفيف، وكان وراءه ضوء قوي، فإن البصر إنما يدرك الضوء الذي وراءه ولا يدرك الجسم المشف نفسه إذا كان في غاية الشفيف. وإذا كانت فيه كثافة يسيرة فإنه يدركه لما فيه من الكثافة، ولكن إدراكًا غير محقق. وإذا أدركه إدراكًا غير محقق فليس يتحقق وضعه ولا يفرق البصر بين السطح المائل الذي بهذه الصفة وبين السطح المواجه. وإذا أدرك البصر السطح المائل مواجهًا فهو غالط في وضعه وفي بعد أطرافه أيضًا، لأن المائل تكون أبعاد أطرافه مختلفة، والمواجه تكون أبعاد أطرافه متساوية، فإذا أدرك البصر المائل مواجهًا فهو يدرك الأبعاد المختلفة متساوية.

الشكل وكذلك إذا كان سطح المبصر الذي بهذه الصفة محدبًا تحديبًا يسيرًا أو مقعرًا تقعيرًا يسيرًا، فإن البصر لا يدرك تحديبه ولا تقعيره، ولا يفرق بين السطح المحدب والمقعر والمسطح، إذا كان الجسم شديد الشفيف ولم يكن فيه من الكثافة إلا قدر يسير، وكان التحديب أو التقعير الذي فيه يسيرًا، وكان الضوء الذي يظهر من ورائه قويًا، لأنه لا يتحقق صورة سطحه من أجل شدة شفيفه وقوة الضوء الذي يظهر من ورائه. وإذا لم يدرك البصر التحديب والتقعير الذي في سطح المبصر، فيظن بسطح المبصر أنه مسطح، فهو غالط في شكل السطح.

العظم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت